أ.د. قيسامي يغوص "معرفيا" في محيط عاصمة عبدة اسفي

يستوطنني هاجس السؤال وأنا اقترب من آسفي "حاضرة المحيط" حسب وصف ابن خلدون لها في المقدمة... أستحضر اشتقاقها من " أسيف" ( المجرى المائي أو مصب النهر ) على حد تعبير المؤرخ البكري..فقد طابق الاسم المسمى بإشراق ..باعتبارها " المصباح المضئ" تبعا لمؤرخ آسفي الفقيه الكانوني ..لأن " أسفو" معناها المشعل المرتبط بمصباح المنار - على الشواطئ - الذي تهتدي به السفن...

تربطني بآسفي ترنيمة عشق انثروبولوجية ..وأنا استحضر ماأنجزه طلبتي من بحوث - تحت اشرافي- حول الحكاية والامثال والرقصات والتراث الشعبي ..بحوث تمتد في اركيولوجية الذاكرة الجمعية من ( جمعة سحيم ) الى آسفي لتنفتح على الصويرة وخريبكة واليوسفية ..وتمتد من الاطلس الى محاميد الغزلان جنوبا...

آسفي / الرمز/ الاسطورة والتاريخ ..أمازيغية البؤبؤتين ، فينيقية العينين ، برتغالية السواعد،رومانية الشكل ..حيث تمتد المآثر والقلاع ..فهي منارة الضوء الممتد من إسفلت التاريخ ،وعبر تلابيبه تظل رهينة المحبسين في الزمن المغربي.. لأن للشريف الادريسي في كتابه " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" اصل آخر للتسمية يعود الى القرن الرابع الهجري ..يتصل بالفتية / الأسرى المعصوبي العين الذين طوح بهم على ساحل مجهول ..ليكتشفوا مدى بعد المسافة بينهم وبين وطنهم الاصلي ..وبعد فك وثاقهم صاح زعيمهم : " واأسفي " ...

لتنكشف الحجب والأستار المغلفة بالسمك والخزف حيث يختبئ أكبر معمل للفوسفاط في المغرب ..وتطفو فوق السطح ألعاب أكلوية - حتى لا أقول رومانية ..لكون آسفي عرفت طهي أكبر طجين في العالم ...ولدكالة وعبدة أرغفة البطون ..هكذا يتقاطع اكبر معمل للفوسفاط باكبر طجين للأكل ..الاول لهم والثاني لنا..ويشتد طهي العقول وترويض النمور التي لم يجد البرتغاليون موطأ قدم لهم فيها...

لآسفي طعمها الخاص..ونكهتها المتميزة منذ ان زرتها لأول مرة منذ زمن بعيد لالقاء محاضرة عن " مسرح النقد/ النفي والشهادة للمرحوم محمد مسكين" ...
اغتنمت فرصة زيارتي هذا اليوم لآسفي لالتقي بالصديق العزيز ذ.سالم اكويندي رائد المسرح المدرسي وأحد رجالات المسرح المغربي وذاكرة ريبيرتواره...
طبعا لايمكن لي ان ازور آسفي دون اللقاء به...

كان يوما جميلا جمال روحه ..وطيبوبة قلبه ..وصدق مشاعره...تقاسمنا فيه الحديث عن هموم المسرح ..وسافرنا عبر الزمن لاستحضار محطات..واحداث ..ومواقف..وذكريات الزمن الجميل لمسرح الهواة ...حتى فوجئت بكتابه الاخير الذي لايخرج عنوانه عن سياق وانساق الهم المشترك في المسرح المغربي ...

في آخر النهار وقبل " الضوء الهارب" عبر احمرار شفق الأصيل كان لابد من الرجوع الى البيضاء التي لاتحمل من البياض إلا الاسم...

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.