أثار تداول خبر إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على مجلس المنافسة، وما رافق ذلك من دعوات إلى تأجيل مناقشة المشروع داخل المؤسسة التشريعية، نقاشاً واسعاً في الأوساط المهنية والقانونية.
بين من يعتبر اللجوء إلى المجلس آلية مشروعة لاستجلاء مدى انسجام بعض مقتضيات المشروع مع قواعد المنافسة، ومن يرى أن الأمر يخرج أصلاً عن اختصاص هذه المؤسسة الدستورية، مما جعل البعض يطرح سؤالا جوهريا يتعلق بحدود صلاحيات مجلس المنافسة ومدى قانونية تدخله في مسار مشروع قانون ينظم مهنة المحاماة. ومن هنا تكتسي العودة إلى النصوص القانونية المؤطرة لاختصاصات المجلس أهمية خاصة، من أجل تحديد ما إذا كان بإمكانه إبداء رأي أو تقديم توصية بشأن هذا المشروع، أم أن اختصاصه يظل محصوراً في مجالات أخرى حددها المشرع على سبيل الحصر.
وفي خضم هذا النقاش ، قدم المحامي طبيح عبد الكبير قراءة في الموضوع ، ننشرها كما توصلت بها “بلبريس”:
استوقفني تعدد التدوينات والكتابات والآراء التي انخرطت فيها المحاميات والمحامون حول خبر تقديم طلب لمجلس المنافسة بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة. وتقديم طلب للبرلمان من اجل تأجيل التصويت على المشروع. وهي مبادرة جد مهمة تترجم حيوية الجسم المهني وانشغاله بكل ما له علاقته بمهنته. لذلك فإن الانخراط في هذه المساهمات يصبح ضرورة من اجل اثراء النقاش الجاد من جهة. لكون صوت نساء ورجال هذه المهنة هو صوت مسموع من جهة أخرى.
إنه الى حدود كتابة هذه المقالة لا أعرف موضوع الطلب الذي قد يكون قدم لمجلس المنافسة. ولا السؤال الذي يرجى من هذا المجلس تقديم رأيه بخصوصه. لذلك استعمل أسلوبا بصيغة افتراض على وجود الطلبين المشار إليهما أعلاه. لنبحث عن جواب على سؤال هذه المقالة.
![]()
من المعلوم ان اللجوء الى مجلس المنافسة ليس مفتوحا للجميع الأشخاص الذاتيين او الأشخاص الاعتباريين من جهة. كما ان الطلب الذي يقدم لهذا المجلس ليس طلبا مفتوحا على جميع المواضيع. بل ان القانون حدد الجهات التي يحق لها ان تلجأ لمجلس المنافسة لتطلب رايه اواستشارته او توصيته. كما حدد لهذه الجهات موضوع الطلب الذي يمكن لها ان تقدمه لهذا المجلس.
ومن المفيد التذكير بكون مجلس المنافسة أحدث بمقتضى المادة 15 من القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. وهو القانون الذي ينظم الأحكام المطبقة على حرية الأسعار وتنظيم المنافسة الحرة. من أجل تنشيط الفاعلية الاقتصادية وضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية. وفقا للمادة 14 منه
وبالرجوع الى المادة 15 من القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يتبين منها انها حددت بشكل حصري الجهات التي يحق لها تقديم الطلبات الى مجلس المنافسة. كما حددت موضوع تلك الطلبات لكي تكون مقبولة من طرف ذلك المجلس. وهذه الجهات والطلبات المحددة كما يلي:
1-اللجان الدائمة بالبرلمان. بخصوص مقترحات القوانين المتعلق بحرية المنافسة. ويتبين من المادة 15 اليهما أعلاه ان اللجان الدائمة بالبرلمان لا تملك إحالة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة الى مجلس المنافسة. بل حصرت حق اللجان الدائمة فقط في مقترحات القوانين. أي تلك التي التي يتقدم به عضو او أكثر من أعضاء البرلمان من جهة. وأن يكون مقترح القانون يتعلق بحرية المنافسة من جهة ثانية. بينما المقتضيات المتعلق بمهنة المحاماة منظمة بمقتضى مشروع قانون صادر عن الحكومة.
2-الحكومة في كل ما يتعلق بالمنافسة. ويتبين من صياغة المادتين ان اختيار الحكومة للجوء الى مجلس المنافسة يجب يتم قبل إحالة مشروع القانون على البرلمان. وقبل اصدار النص التنظيمي أي المرسوم. بينما مشروع قانون المهنة أحيل على مجلس النواب الذي صوت عليه. وهو الآن محال على مجلس المستشارين للدراسة والتصويت عليه.
3- مجالس الجهات والمجموعات الحضرية وغرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الفلاحة وغرف الصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري والمنظمات النقابية والمهنية وجمعيات المستهلكين. لكن يجب ان يكون الطلب المقدم لمجلس المنافسة محصورا في حدود المصالح المنوطة بهذه المجالس. أي في حدود مهامها المحدد لها بمقتضى القانون المحدث لها.
4-المحاكم المختصة. في شأن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المثارة في القضايا المعروضة عليها. أي ليس كل المحاكم يمكنها تقديم الطلب لمجلس المنافسة. وليس في كل القضايا المعروضة على تلك المحاكم.
وأن بالرجوع الى المادة 5 من القانون 20.13 المنظم لمجلس المنافسة يتبين منها انها هي كذلك تنص على نفس الجهات وعلى نفس نوعية الطلبات التي يتم تقديمها لمجلس المنافسة.
وان يتبين ما سبق ان مجلس المنافسة لا يمكنه ان يقبل طلب إبداء الرأي او إعطاء استشارة او تقديم توصية بخصوص مشروع قانون المتعلق بمهنة المحاماة:
-لأن أي لم يقدم له من قبل الحكومة من جهة أولى.
– ولأن أي لم يقدم له من قبل اللجان الدائمة للبرلمان لأن الامر يتعلق بمشروع قانون وليس بمقترح قانون من جهة ثانية.
-ولأن أي طلب لم قدم له من طرف المجالس المذكورة أعلاه. لأنه لا يدخل في مهام او اختصاص أيا منها التدخل فيما يتعلق بمهنة المحاماة. خصوصا وان المادة 15 والمادة 5 المشار اليهما أعلاه حصرتا مجال تدخل هذه المجالس في مسألة مبدئية. أي قضية عامة. وليس قضية بعينها. وأن تكون تلك المسألة تتعلق بالمنافسة وحرية الأسعار من جهة ثالثة.
وبالرجوع الى ما تم تداوله من اخبار بخصوص وجود طلب مقدم لمجلس المنافسة يتعلق بمعرفة رأيه بخصوص شروط الولوج لمهنة المحاماة, فإن هذا الطلب لا يمكن قبوله من طرف مجلس المنافسة لأنه لا يدخل في اختصاص أي جهة من الجهات المشار إليها أعلاه. كما أن موضوع ذلك الطلب لا علاقة له بحرية الأسعار والمنافسة ذات الطبيعة التجارية وهي التجارة التي يمنع على المحامي ممارستها.
لكن قد يرد على الموقف بأن مجلس المنافسة سبق له ان أعطى رأيه في مهنة يمنع على المنتمين لها ممارسة التجارة وهي مهنة الموثقين. وبالتالي ما المانع في عدم مطالبة مجلس المنافسة في إبداء رأيه بخصوص مهمة المحاماة.
إن الجواب عل هذا التساؤل نجد في صلب الرأي الذي قدمه مجلس المنافسة بخصوص مهنة التوثيق. وهو الرأي الذي يحمل المراجع التالية 03-ر-2019 والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 13/02/2020.
وبالرجوع الى ذك الرأي نجده يتميز وينفرد بخاصيات لا تتوفر في مشروع قانون مهنة المحاماة. وهي الخاصيات التالية:
1-ان طلب الرأي بخصوص مهنة الموثقين تقدمت به الحكومة. وهي الخاصية التي لا تتوفر في الطلب الذي قد يكون قدم لمجلس المنافسة بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة. لأنه حسب ما هو متوفر من معلومات فإن الحكومة لم تتقدم بأي طلب لمجلس المنافسة بخصوص أي مقتضى من مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة.
2-ان الحكومة تقدمت لمجلس المنافسة بطلب رايه في مشروع مرسوم. وليس في مشروع قانون من جهة. وقبل إصدار ذلك المرسوم. وليس بعد ان أحالت مشروع قانون مهنة المحاماة على مجلس النواب وتصويت هذا المجلس عليه من جهة أخرى.
3-ان الحكومة طلبت رأي مجلس المنافسة في مشروع مرسوم يتعلق بأتعاب الموثقين وفقا للمادة 15 من القانون المتعلق بالموثقين الذي ينص على ان أتعاب الموثقين تحدد بنص تنظيمي. أي بمرسوم. ولم تطلب رأيه بخصوص شروط الولوج لمهنة التوثيق.
ومن الملفت للنظر في رأي مجلس المنافسة المذكور انه تناول شروط الولوج الى مهنة التوثيق في الفقرة الثالثة منه تحت عنوان (تقديم مهنة التوثيق). لكن لم يبد بشأنها أي رأي او استشارة او توصية. بل أبدى فقط رأيه في تحديد سقف اتعاب الموثق. ذكر كذلك بعدم النزول عن التكاليف الحقيقة لإنجاز عمل الموثق.
والخلاصة ما سبق هي:
– ان مجلس المنافسة لا يقدم له طلب ابداء الرأي والاستشارة او التوصية بخصوص مشروع قانون صوت عليه مجلس النواب وهو الآن معروض على مجلس المستشارين.
– لا إمكانية لا دستورية ولا قانونية تمكن مجلس المنافسة من توجيه طلب الى مجلس المستشارين ليوقف دراسته لمشروع قانون أحاله عليه مجلس النواب.
– ان مجلس المنافسة لم يؤهله القانون لكي يفحص شروط الولوج لأي مهنة كيف ما كانت. وبالخصوص مهنة المحاماة لكون تحديد تلك الشروط هي من مجال القانون الذي يعود الاختصاص في وضعه الى كل من الحكومة و البرلمان. وليس لمجلس المنافسة.
والسلام