هل أصبح حق التظلم تهديدًا لاستقلالية مهنة المحاماة؟

بقلم: د.أحمد نور الدين 

عرف اجتماع لجنة العدل والتشريع والحقوق والحريات بمجلس النواب، نقاشا حادا حول عدد من المواد التي جاء بها مشروع تنظيم مهنة المحاماة والتي عرفت موجة واسعة من الجدل، خاصة بعد تضارب في مداخلات النواب البرلمانيين بين من يعتبر منح المواطن صلاحيات أوسع في مواجهة المحامي أو الطعن في المساطر التأديبية قد يشكل تهديدًا لاستقلالية المهنة وهيبتها، وبين من يعتبرها تدخل ضمن اختصاص الهيئات المهنية.
من جهته عبر الاتحادي عزيز باعزيز على أن حق المواطن، دون أدنى شك، أن يشتكي وأن يتظلم ضد المحامي أو المفوض القضائي أو العدل أو حتى النقيب، إذا لحقه ضرر نتيجة إخلال بالتزامات مهنية أو تعاقدية. وأضاف باعزيز أن العلاقة بين الموكل ودفاعه ليست علاقة مجاملة أو امتياز، وإنما هي عقد قانوني يقوم على تقديم خدمة مقابل أتعاب، وأي إخلال بهذا الالتزام قد يترتب عنه مسؤولية قانونية ومدنية تستوجب التعويض.

لكن في المقابل، أوضح أن القرارات التأديبية المتعلقة بالمحامين ليست مجالًا لتحقيق رغبات المتقاضين أو تصفية الخلافات والحسابات الشخصية، لأن التأديب المهني يظل اختصاصًا مرتبطًا بالهيئات المنظمة للمهنة والجهات المعنية بحماية أخلاقياتها واستقلاليتها، فالمواطن ليست له أي مصلحة مباشرة في التشطيب على المحامي أو توقيفه أو معاقبته تأديبيًا، بقدر ما تهمه استعادة حقه وجبر الضرر الذي لحقه.

وفي ذات السياق أكد باعزيز أن مصلحة التأديب تعود أساسًا إلى الإدارة والقطاع الحكومي الوصي، وإلى الهيئات المهنية التي يقع على عاتقها الحفاظ على صورة المهنة واحترام قواعدها وأعرافها، أما المواطن، فحقه الطبيعي يتمثل في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض أو استرجاع حقوقه المدنية، ولهذا فإن مسطرة الاستئناف بالنسبة إليه ينبغي أن ترتبط بالمطالب المدنية وما يترتب عنها من آثار، لا بالتدخل في القرارات التأديبية ذات الطابع المهني الخالص

وفي هذا السياق، تطرق المتحدث نفسه إلى الشق المرتبط بما يسمى “حصانة النقيب”، وهي مسألة تستوجب معالجة متوازنة تضمن احترام مكانة النقيب ووظائفه المهنية، دون أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من المساءلة، ولذلك فإن الإبقاء على المسطرة الخاصة بها، وفق الصيغة الحالية للمشروع، يبدو أقرب إلى تحقيق التوازن بين حماية المهنة وضمان الحقوق.

فيما طرحت نائبة برلمانية إشكالية تهم التضخيم الذي أعطي لمسطرة التأديب وأن منح الموكل بعض الحقوق الإجرائية هو بمثابة “إجهازً” على مهنة المحاماة والضرب في استقلالية المهنة، فهذا طرح يحتاج إلى كثير من التبصر، لأن حماية المهنة لا تكون بإغلاق أبواب الشكايات أو تقييد حق التظلم، وإنما بإرساء توازن دقيق بين استقلالية الدفاع وحقوق المتقاضين.

واعتبرت ذات النائبة البرلمانية تعميم بعض الحالات الشاذة والاستثنائية على جميع المحامين فيه ظلم وحيف كبير لمهنة ظلت تاريخيًا حصنًا للدفاع عن الحقوق والحريات، فالأصل هو الثقة في المهنة، والاستثناء لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة تشريعية تهدد المكتسبات المهنية أو تمس استقلال المحامي.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي اليوم يجب أن يتجه نحو ضمان حقوق المتقاضين في التعويض والتواصل والشفافية، دون المساس باستقلالية المهن القانونية أو تحويل التأديب إلى أداة ضغط، فالعدالة المتوازنة هي التي تحمي المواطن، وتحفظ للمهنة هيبتها في الوقت نفسه.

 

الٱراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي بلبريس وإنما عن  رأي صاحبها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *