أولا: القانون في خدمة من؟
- “حق الدفاع ليس امتياز تمنحه السلطة، بل هو ضمانة بنيوية لدولة القانون، وكل تقليصٍ في عدد المدافعين المؤهَلين هو تقليص في العدالة ذاتها.”
في خضمِ النقاشات التي تثيرها التشريعات قبل أن تصير نافذة، يطفو إلى السطح مشروع قانون مهنة الدفاع الجديد (مشروع قانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة)، الذي يقدم بوصفه مدخلا من مداخل إصلاح منظومة العدالة، وخطوة نحو ضبط ممارساتها وتحديث المهنة، بما يواكب التحولات التي شهدتها هذه المنظومة في بلادنا. غير أن الدراسة المتأنِّية لمقتضيات هذا المشروع تكشف، دون أن تترك مجالا للتأويل، عن نزوعٍ صريح نحو إقصاء فئةٍ بعينها من المساهمة في الممارسة القانونية، وهي فئة أساتذة القانون.
وحين ندرك أن المقصودين بهذا الإقصاء ليسوا فئة هامشية، بل هم أساتذة القانون في مختلف تخصصاته؛ من القانون الإداري والتجاري والمدني والجنائي، إلى القانون الدولي والدستوري — هؤلاء الذين أمضَوا عقودا في تدريس القانون وتأطير أجيالٍ من المحامين والقضاة ومختلف مساعدي القضاء — ندرك حجم المفارقة، إذ يجد هؤلاء أنفسَهم اليوم محاصرين بمشروع قانون يرى فيهم منافسين لا شركاء في تطوير المهنة وخدمة العدالة. فهو مشروع يسعى إلى تضييق الأهلية وفرض شروطٍ تعجيزية تحول دون ولوجهم الفعلي إلى مهنة الدفاع باستقلالية تامة، فضلا عن إبعاد حاملي الشهادات العليا وتخليص المهنة من الأصوات الأكثر قدرة على النقد والمساءلة، في محاولةٍ لاختزال المحاماة في حِرفيَّةٍ تقنية مجرَدة من رحمها الفكري الذي لم ينفصل قط عن مدرجات الجامعة وروحها العلمية والأخلاقية.
ثانياً: ما الذي يتضمنه مشروع قانون المحاماة فعلا؟
“حين يُصادَر العقلُ النقدي في ثوب القانون”
إن ما يجري إعداده في مشروع قانون المحاماة الزاحف نحو المصادقة والإعتماد من شأنه تقييد إنتساب أساتذة القانون إلى مهنة الدفاع، من خلال جملة من الشروط التي لا يمكن وصفها إلا بالإقصائية، والتي تستهدف أساتذة الجامعات بشكل مباشر. ومن أبرز هذه الشروط: اشتراطُ التفرُّغ الكامل لمهنة الدفاع وعدم الجمع بينها وبين التدريس في الجامعة العمومية، إضافة إلى إلزامهم بقضاء فترة تمرينٍ مهني وفق شروط مجحفة، تُعامِل الأستاذَ الجامعي ذا العشرين سنة من الخبرة معاملةَ الخريج الحديث، دون أي إعترافٍ صريح بمساره الأكاديمي والفقهي والفكري ضمن نصوص المشروع. وكأن الجامعة المغربية لا تُنتج معرفة قانونية تستحق الإعتراف.
![]()
في المقابل، تعترف كثير من الدول في تجاربها المقارنة بمسارات خاصة لإدماج الأكاديميين في مهنة الدفاع، مع مراعاة مسيرتهم العلمية وتثمينها، في حين يخلو مشروع قانون المحاماة من أي إجراء مماثل، مما يجعل عنوانه البارز هو الإقصاءَ الممنهج الناعم ذا الطابع البنيوي، إذ تجعل الشروط المقررة من الولوج إلى المهنة أمراً عسيراً يكاد يكون مستحيلاً على أرض الواقع.
ثالثاً: خلفيات الإقصاء ودوافعه الحقيقية
“إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق إقتراع، بل هي أيضا حرية الفكر وصون إستقلالية النقد والمعرفة.”
ويحق لنا أن نطرح سؤالا جوهريا: من يقف وراء هذا الإقصاء؟ والجواب لا يستلزم بالضرورة لجانَ تقصي الحقائق ولا بحثا معمَّقا في المسألة، فهو كامنٌ ببساطة فيمن يرى في الكفاءة الأكاديمية منافسا يُقلقه أو لا يُريحه.
فظاهرة اللوبيات المهنية ليست وليدة بيئةٍ جغرافية بعينها، بل هي جزءٌ من حركية عالمية تميل فيها تنظيمات المحامين إلى حماية السوق عبر تضييق شروط الولوج إليه. أما ما يُميِّز هذا المشروع في حالتنا المغربية، فهو أنه يُقنِّن هذا التضييق تشريعياً ويمنحه قوةَ القانون لضمان سريانه وإلزاميته، وهو ما ينبئ بخطورة تتجاوز الرفض الآني الذي يواجهه المشروع وهو لا يزال في طور الإعداد.
علاوة على ذلك، ثمة مفارقةٌ صارخة: كيف لدولةٍ تلتزم بالقانون ويُكرِّس دستورها الفصلَ بين السلطات، أن تُضيِّق على رجال القانون الذين يمتلكون الأدوات والمناهج والمقاربات الكفيلة بترسيخ سيادة القانون وصيانة الحقوق والحريات؟
رابعاً: الأثر على منظومة الحقوق والحريات
“الحرية لا تُصان بالإقصاء، بل بالتنوع، وكل مشروع يفتقر إلى التعددية القانونية إنما يُقوِّض أساس العدالة.”
لا شك أن إقصاء أساتذة القانون عن مهنة الدفاع لن يمسَّ هذه الفئة وحدها، بل سيمتد أثره ليطال الحقوق والحريات جميعها. ذلك أن هذا المنع سيجعل المواطن في مواجهة الإدارة والقضاء عارياً من السند الفكري والقانوني الرصين، ومُجرَّداً من أي درعٍ حقوقي حقيقي.
ولا يخفى على المتتبع أن كثيرا من القضايا التي هزَّت الرأي العام وأثَّرت في مسار العدالة، كان للأكاديميين القانونيين دورا محوريا في الدفاع فيها أو في إثراء النقاش القانوني المحيط بها، إذ أدخلوا إلى ردهات المحاكم وقاعات المداولات لغةً دستورية وثقافةً حقوقية كانت مهمَّشة أو مغيَّبة. فهل نريد فعلا منظومةً قضائية تعلو فيها لغة الحِيَل على الحجج القانونية الراسخة؟
خامساً: في مرآة التجارب المقارنة
“التجارب المقارنة مرآةٌ كاشفة لدوافع الإقصاء الحقيقية.”
يكفي إلقاء نظرةٍ على التجارب المقارنة؛ ففرنسا التي يستشهد كثيرون بتشريعاتها، تُتيح لأساتذة القانون المؤهَّلين ممارسة مهنة الدفاع في إطار نظامٍ مزدوج متوازن يعترف بمكانتهم الأكاديمية وخصوصيتهم العلمية. وفي إنجلترا تضطلع كثيرٌ من الجامعات وكليات الحقوق بتدريب القضاة والمحامين. أما ألمانيا فيُلجأ فيها إلى أساتذة القانون لتقديم الخبرة أمام المحاكم الدستورية وفي سائر القضايا المعقدة.
وعليه، فإن بدعة إشتراط القطيعة التامة بين مهنة التدريس ومهنة المحاماة لا تعدو كونها ذريعةً للإقصاء الممنهج، على الرغم من تعارضها الصريح مع الحقيقة الراسخة التي مفادها أن القانون يتغذى من التفكير الأكاديمي الرصين كما يتغذى من الممارسة الميدانية، وأن
الفصل القسري بينهما يُضرُّ بهما معاً.
خاتمة: في الدفاع عن حق الدفاع “إصلاح الخطأ خير من التمادي فيه”
لا بد من الإشارة إلى أن كتابة هذا المقال، بقدر ما هي دفاعٌ عن حق فئةٍ اجتماعية ذات مكانةٍ راسخة في المجتمع، فهي في الآن ذاته طرحٌ لأسئلة جوهرية تصبُّ في صميم فلسفة القانون: ماذا يعني أن يكون لنا قانون؟ ومن المستفيد منه فعلاً؟
إن الصيغة الراهنة لمشروع قانون المحاماة، بما تنطوي عليه من استهدافٍ صريح لأساتذة القانون في المغرب، تعمل على تضييق الفكر القانوني وتقليص فضاء الحرية والنقد البنَّاء والاستقلالية، فتُفرِّغ العدالة من أحد أعمق روافدها. وهذا وحده يُعرِّض هذا المشروع للمساءلة الدستورية.
فمطلب تجويد منظومة العدالة في بلادنا وإصلاحها لا يتحقق بتقليص أعداد المنتسبين إلى مهنة المحاماة، ولا بفرض شروطٍ إقصائية تخدم أهدافاً احتكارية لا أقل ولا أكثر. بل إن هذا المطلب يجب أن ينطلق من رفع القدرات المعرفية للدفاع وتوسيع دائرة المنتسبين إليه، وتشجيع التلاقح بين الفكر الأكاديمي والممارسة الميدانية. فالمحاماة رسالةٌ للذود عن الحقوق، لا حرفةٌ مغلقة محمية بأسوار الاحتكار.
لذا، وما دمنا أمام مشروع قانون لم يُحسَم بعد، فإن الواجب يقتضي إعادة النظر فيه بروية وتأنٍّ، وفتح حوارٍ جاد وشامل لتطوير المهنة بعيداً عن الحسابات الضيقة، وإخراج قانونٍ يكفل للجميع حق المساهمة في بناء وعيٍ قانوني راسخ، يصون الحقوق والحريات ويُعلي من شأن منظومة العدالة في بلادنا.
ذ. عبد الحي الغربة: أستاذ القانون العام جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
الٱراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي بلبريس وإنما عن رأي صاحبها.