المغرب يسجل أدنى مستويات الخصوبة تاريخيا (دراسة فرنسية)

كشفت دراسة صادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية بفرنسا (INED)، أن المغرب يعرف تراجعاً غير مسبوق في مستويات الخصوبة، مع دخوله مرحلة جديدة من الانخفاض المستدام الذي يبشر بتغيرات ديموغرافية عميقة في المملكة.

وأفادت الدراسة التي حملت عنوان “خصوبة منخفضة تاريخياً في المغرب العربي”، للباحثات زهية وداھ بديدي وإبتھال بوشوشة وسومية عبد اللطيف، أن المغرب يتميز عن جيرانه الجزائر وتونس بانخفاض مستمر وتدريجي للخصوبة دون تسجيل أي انتعاشة على غرار ما حدث في البلدين الآخرين.

بحسب المصدر ذاته، فقد انتقل مؤشر الخصوبة الإجمالي في المغرب من مستويات قاربت 7 أطفال لكل امرأة في سبعينيات القرن الماضي، إلى مستويات تاريخية منخفضة بلغت 1.97 طفل لكل امرأة في سنة 2024، ليصبح بذلك أقل من عتبة الإحلال الديموغرافي المقدرة بـ2.1 طفل.

يؤكد هذا الرقم أن المغرب يتجه، رفقة تونس، نحو مستويات خصوبة منخفضة جدا، في وقت ما زالت الجزائر تسجل مستويات أقل حدة وإن كانت هي الأخرى في انحدار منذ سنة 2017.

تشير الدراسة إلى أن انخفاض الخصوبة المستمر في المغرب لم يصاحبه تغير كبير في توقيت الإنجاب، حيث يظل ذروة الإنجاز مركزاً في الفئة العمرية 25-29 سنة، مع استقرار متوسط سن الأمومة ما بين 30.3 و30.6 سنة.

وهو ما يعني أن المغاربة ينجبون أطفالاً أقل مع الحفاظ على التوقيت نفسه تقريباً، خلافاً لما يحدث في تونس التي عرفت تغيراً في توقيت الإنجاب.

تعزو الدراسة التفوق المغربي في خفض الخصوبة إلى عاملين رئيسيين، يبرز في مقدمتهما الانتشار الواسع لوسائل منع الحمل، حيث قفزت نسبة استعمالها من 40 في المائة فقط في تسعينيات القرن الماضي إلى 70 في المائة سنة 2020، مع تزايد ملحوظ في استخدام الوسائل الحديثة كالحبوب واللولب والزرعات والحقن التي بلغت 58 في المائة.

أما العامل الثاني فهو استمرار الزواج المبكر نسبياً للنساء، فعلى عكس تونس حيث تأخر الزواج بشكل كبير، لا يزال المغرب يعرف زواجاً مبكراً نسبياً للنساء، حيث تراجع متوسط سن الزواج الأولى من 26.3 إلى 24.6 سنة بين 2004 و2024، بينما تقدم سن زواج الرجال من 31.2 إلى 32.4 سنة.

وهذا يعني أن النساء المغربيات يتزوجن مبكراً لكن ينجبن أطفالاً أقل، بفضل التحكم في وسائل منع الحمل، وهو ما يشبه النمط المسجل في إيران ومصر.

ورغم ارتفاع مؤشرات التمدرس، خاصة في صفوف النساء، فإن الدراسة تسجل أن هذا التقدم لا ينعكس على إدماجهن في سوق العمل، فمعدل نشاط النساء يظل منخفضاً، حيث لا يتجاوز 24 في المائة في الفئة العمرية 35-44 سنة.

كما أن المسار المهني للنساء يتسم بالهشاشة، حيث يرتفع معدل النشاط بشكل كبير حتى نهاية العشرينيات ثم ينخفض تدريجياً بعد سن الثلاثين، أي بالتزامن مع فترة تحمل المسؤوليات الأسرية وتربية الأطفال.

لا تعزى الظاهرة إلى العوامل الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى تحول في القيم والأعراف العائلية في المجتمع المغربي، حيث لم تعد الأمومة غاية في حد ذاتها، بل تحولت إلى مشروع يتطلب استثماراً عاطفياً ومادياً كبيراً، مما يجعل الأسر تقتصر على عدد أقل من الأطفال مع التركيز على جودة تربيتهم وتوفير أفضل الظروف لهم، بحسب الدراسة، منبهة إلى ان هذه القيم الجديدة تنتشر عبر عدة قنوات، أبرزها المدرسة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والتنقلات الدولية.

وتخلص الدراسة إلى أن استمرار انخفاض الخصوبة سيؤدي حتماً إلى شيخوخة سريعة للسكان المغاربة، حيث بلغت نسبة من تجاوزوا 60 سنة 13.8 في المائة سنة 2024، وهي نسبة مرشحة للارتفاع في السنوات المقبلة مع تراجع عدد المواليد.

يضاعف من حدة المشكل، بحسب المصدر نفسه، أن المغرب يعرف تاريخياً عجزاً في الميزان الهجرة (عدد المغادرين أكبر من الوافدين)، مما يجعل تعويض العجز الطبيعي صعباً مقارنة بالدول الأوروبية التي تستقطب المهاجرين.

ويرى الباحثون أن المملكة تقف اليوم على مفترق طرق ديموغرافي، مع استقرار محتمل لمستويات الخصوبة عند أدنى مستوياتها دون أفق لعودة الانتعاشات التي شهدتها العقود الماضية.

 

المقالات المرتبطة

لايوجد أي محتوى متوفر

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *