شح المياه بالعيون.. أزمة متجددة تفرض نفسها على الحياة اليومية

رغم ما شهدته مدينة العيون خلال العقود الأخيرة من توسع عمراني متسارع ونهضة تنموية شملت مختلف القطاعات، لا يزال ملف المياه يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الساكنة، ويعود إلى واجهة النقاش العمومي كلما ارتفعت درجات الحرارة أو تزايد الطلب على هذه المادة الحيوية. فبين مشاريع التحلية، وتوسعة الشبكات، والاستثمارات المخصصة لتأمين الأمن المائي، ما زال عدد من المواطنين يعانون من ضعف التزويد بالمياه أو الانقطاعات المتكررة التي تؤثر بشكل مباشر على تفاصيل حياتهم اليومية.

وتكتسي قضية المياه بمدينة العيون خصوصية كبيرة بحكم موقعها الجغرافي داخل المجال الصحراوي، حيث تتميز المنطقة بندرة التساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة معظم أشهر السنة، الأمر الذي يجعل الموارد المائية الطبيعية محدودة مقارنة بحجم الطلب المتزايد عليها. وقد زادت سنوات الجفاف المتتالية التي شهدها المغرب خلال العقد الأخير من حدة هذا الوضع، مما فرض ضغوطاً إضافية على مختلف مصادر التزود بالمياه.

ويؤكد متابعون للشأن البيئي أن التغيرات المناخية أصبحت عاملاً رئيسياً في تعقيد الوضع المائي بالأقاليم الجنوبية، حيث ساهم تراجع التساقطات وارتفاع معدلات التبخر في تقليص فرص تجدد الموارد المائية، في وقت يشهد فيه الطلب على الماء ارتفاعاً مستمراً بفعل النمو الديموغرافي والتوسع العمراني الذي تعرفه المدينة.

*معاناة يومية داخل المنازل*

لا تتجلى أزمة المياه بمدينة العيون فقط في الأرقام والإحصائيات، بل تظهر بشكل واضح داخل المنازل والأحياء السكنية. فخلال فترات معينة من السنة، خصوصاً مع اشتداد الحرارة أو تزايد الاستهلاك، يشتكي العديد من السكان من ضعف صبيب المياه أو انقطاعها لساعات طويلة، وأحياناً لأيام متتالية.

وتجد الأسر نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب تفاصيل حياتها اليومية وفق مواعيد وصول المياه أو فترات الانقطاع، حيث يتم تخزين كميات احتياطية داخل الخزانات المنزلية تحسباً لأي طارئ. كما تتحول عملية الحصول على الماء إلى هاجس يومي بالنسبة لعدد من الأسر التي تخشى نفاد مخزونها قبل عودة التزويد بشكل طبيعي.

وفي عدد من الأحياء، أصبح مشهد الخزانات البلاستيكية فوق أسطح المنازل أو داخل الساحات المنزلية جزءاً من الواقع اليومي، في محاولة لتجاوز آثار الانقطاعات المتكررة وضمان الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية المرتبطة بالنظافة والاستعمالات المنزلية المختلفة.

*صهاريج المياه.. حل اضطراري تحول إلى واقع دائم*

إذا كانت العديد من المدن تعتمد على شبكات التوزيع العمومية كمصدر وحيد للتزود بالماء، فإن مدينة العيون عرفت منذ عقود حضوراً قوياً لصهاريج نقل المياه التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية للساكنة.

فمع كل أزمة أو انقطاع، تعود هذه الصهاريج إلى الواجهة باعتبارها وسيلة بديلة لتأمين احتياجات الأسر. وعلى الرغم من التطور الذي شهدته المدينة في مختلف المجالات، ما زالت هذه الشاحنات تجوب الأحياء السكنية بشكل يومي، حاملة المياه إلى المنازل التي تعاني من ضعف التزويد أو الانقطاع.

ولسنوات طويلة، شكلت صهاريج المياه حلاً عملياً بالنسبة للساكنة، حيث وفرت بديلاً أقل مشقة مقارنة بالبحث عن مصادر بعيدة للماء. غير أن ما كان يعتبر في الماضي حلاً مؤقتاً واستثنائياً، تحول مع مرور الوقت إلى جزء من الحياة اليومية للعديد من الأسر.

ومع تزايد الطلب على خدمات هذه الصهاريج، أصبحت عملية الحصول عليها أكثر تعقيداً من ذي قبل. فبعدما كان حضورها داخل الأحياء يتم بشكل شبه دائم، أصبحت تعتمد في كثير من الأحيان على الطلبات المسبقة والاتصالات الهاتفية وقوائم الانتظار، خاصة خلال الفترات التي تعرف ضغطاً كبيراً على التزود بالمياه.

ويؤكد عدد من المواطنين أن الطلب المتزايد على صهاريج المياه يعكس حجم الإكراهات التي ما زالت تواجهها المدينة في هذا المجال، إذ إن استمرار الاعتماد عليها بعد سنوات طويلة من إطلاق مشاريع مائية كبرى يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الشبكة الحالية على مواكبة النمو المتسارع الذي تعرفه المدينة.

*النمو العمراني وارتفاع الطلب على الماء*

شهدت مدينة العيون خلال السنوات الأخيرة توسعاً عمرانياً كبيراً شمل أحياء جديدة ومشاريع سكنية ومرافق اقتصادية وخدماتية متعددة. هذا النمو ساهم بشكل مباشر في ارتفاع الطلب على المياه، سواء للاستعمالات المنزلية أو الاقتصادية.

ومع تزايد عدد السكان واتساع المجال الحضري، أصبحت الحاجة إلى كميات أكبر من المياه أمراً حتمياً، وهو ما يفرض تحديات إضافية على منظومة التوزيع والإنتاج. كما أن ارتفاع مستوى العيش وتطور الأنشطة الاقتصادية بالمدينة ساهما بدورهما في زيادة الاستهلاك الفردي والجماعي للمياه.

ويرى مختصون أن أي استراتيجية مستقبلية لمعالجة أزمة المياه يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التحولات الديموغرافية والعمرانية التي تعرفها المدينة، حتى لا تتحول المشاريع المنجزة اليوم إلى حلول غير كافية في المستقبل القريب.

*مشاريع التحلية وآمال الساكنة*

وعياً بأهمية الأمن المائي، تم خلال السنوات الماضية إطلاق مجموعة من المشاريع الرامية إلى تعزيز الموارد المائية بالمدينة، وفي مقدمتها مشاريع تحلية مياه البحر التي تعتبر خياراً استراتيجياً بالنسبة للمناطق الساحلية والصحراوية.

وتراهن الجهات المعنية على هذه المشاريع لتقليص الضغط على المياه الجوفية وضمان استمرارية التزويد بالماء الصالح للشرب على المدى المتوسط والبعيد. كما ينتظر أن تساهم في مواكبة النمو العمراني والاقتصادي الذي تعرفه المدينة.

غير أن العديد من المواطنين يرون أن نجاح هذه المشاريع ينبغي أن ينعكس بشكل مباشر على حياتهم اليومية، من خلال تحسين جودة الخدمة وضمان انتظام التزويد والقضاء على الانقطاعات المتكررة التي تؤثر على مختلف مناحي الحياة.

*بين الواقع والانتظارات*

ورغم الجهود المبذولة والاستثمارات المرصودة، يبقى شح المياه أحد أبرز التحديات التي تواجه مدينة العيون. فالساكنة لا تطالب فقط بتوفير الماء، بل تتطلع إلى خدمة مستقرة ومنتظمة تضمن وصول هذه المادة الحيوية إلى المنازل بشكل دائم ودون اضطرابات متكررة.

وبين رهانات التنمية ومتطلبات الأمن المائي، يظل ملف المياه اختباراً حقيقياً لقدرة مختلف المتدخلين على إيجاد حلول مستدامة تستجيب لتطلعات المواطنين وتواكب التحولات التي تعرفها المدينة.

في مدينة تتطلع إلى تعزيز مكانتها كقطب تنموي بالأقاليم الجنوبية، يبقى ضمان الحق في الماء أحد أهم الرهانات المستقبلية. فاستمرار معاناة بعض الأسر مع ضعف التزويد والانقطاعات المتكررة، واستمرار الاعتماد على صهاريج المياه كحل بديل، يؤكدان أن الطريق نحو تحقيق الأمن المائي الكامل ما زال يتطلب مزيداً من الجهود والاستثمارات والحلول العملية. وبين مشاريع التحلية وآمال الساكنة، يبقى السؤال مطروحاً: متى يصبح الحصول على الماء داخل منازل العيون أمراً بديهياً لا يشغل تفكير المواطنين ولا يفرض عليهم البحث عن حلول لأمور تعد من الأساسيات للعيش داخل المجال الحضري.

بلبريس من العيون ـ كريم انفضواك

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *