بلبريس- لمياء هاني
أعاد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات إشعال النقاش السياسي تحت قبة البرلمان، بعدما تحول إلى أرضية مواجهة بين انتقادات المعارضة ودفاع الحكومة عن حصيلتها في عدد من القطاعات الحيوية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاس السياسات العمومية على الواقع المعيشي للمغاربة.
وفي هذا السياق اعتبرت فدرالية اليسار الديمقراطي أن التقرير كشف اختلالات عميقة في تدبير البرامج العمومية، مؤكدة أن تضخم الميزانيات وتعدد الأوراش الحكومية لم يواكبه تحسن ملموس في حياة المواطنين.
وخلال الجلسة العمومية اليوم الثلاثاء المخصصة لمناقشة تقرير مجلس “العدوي” شددت النائبة البرلمانية فاطمة التامني على أن التقرير يشكل تشخيصاً نقدياً لأداء الحكومة، مبرزة استمرار الفجوة بين الأرقام الرسمية والنتائج الميدانية.
وفي ما يتعلق بقطاع الطاقات المتجددة، اعتبرت التامني أن هذا الورش الاستراتيجي ما يزال يعاني من التأخر وضعف الحكامة وهيمنة منطق الصفقات، مشيرة إلى أن المواطن لم يلمس انعكاساً واضحاً لهذه الاستثمارات لا على مستوى أسعار الكهرباء ولا على صعيد تعزيز السيادة الطاقية.
كما أثارت البرلمانية إشكالات التدبير المائي، متسائلة عن أسباب استمرار الهدر وغياب العدالة المجالية في توزيع الموارد، في ظل معاناة عدد من المناطق من ندرة المياه وارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية.
وفي الشق المتعلق بملف الحماية الاجتماعية، اعتبرت المتحدثة ذاتها أن التعميم تحول في بعض الحالات إلى إجراء إداري أكثر منه إصلاحاً فعلياً، بسبب ضعف البنيات الصحية ونقص الموارد البشرية، ما يطرح إشكال استدامة التمويل وجودة الخدمات المقدمة.
وتوقفت التامني أيضاً عند ارتفاع المداخيل الجبائية، متسائلة عما إذا كان ذلك نتيجة إصلاح ضريبي عادل أم نتيجة ضغط متزايد على الأجراء والفئات المهيكلة، مقابل استمرار مظاهر التهرب الضريبي والامتيازات غير المبررة. كما سجلت استمرار اختلالات مناخ الاستثمار المرتبطة بالاحتكار وتضارب المصالح وضعف تكافؤ الفرص أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة.
في المقابل، قدمت الحكومة قراءة مختلفة للتقرير، حيث أكد عزالدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أن توصيات المجلس الأعلى للحسابات شكلت مرجعاً إصلاحياً مهماً لقطاع التعليم العالي، واصفاً إياها بـ”الرصينة والبناءة” والقادرة على تعزيز نجاعة الأداء وتسريع الإصلاحات.
وأوضح الوزير، خلال جلسة مناقشة وضعية الجامعة المغربية، أن القانون رقم 59-24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي جاء لترجمة توصيات المجلس إلى مقتضيات عملية وملزمة، من بينها إقرار المخطط المديري للتعليم العالي كآلية للتخطيط الاستشرافي تراعي العدالة المجالية والتوازن في توزيع المؤسسات والخدمات الجامعية بين الجهات.
وأشار الميداوي إلى أن إحداث مؤسسات جامعية جديدة أصبح خاضعاً لشروط دقيقة، ترتبط بالحاجيات الجهوية أو الوطنية ومدعومة بدراسات تقنية تقيم الكلفة والأثر وقابلية الإنجاز، مؤكداً في الوقت ذاته تعزيز آليات الحكامة داخل الجامعات، خاصة عبر تقوية أدوار مجلس الجامعة ومجلس الأمناء.
وبخصوص تعثر بعض المشاريع الجامعية، أرجع المسؤول الحكومي ذلك إلى إكراهات مرتبطة بالوعاء العقاري، مشيراً إلى إطلاق عملية وطنية لجرد المعدات العلمية التي تتجاوز قيمتها 500 ألف درهم بكل الجامعات، بهدف تحسين حكامة العتاد العلمي وترشيد استغلاله.
كما أعلن الوزير عن مراجعة القانون المنظم للمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، بما يعزز مهامه في الدعم التقني للبحث العلمي والابتكار وتقريب خدماته من الفاعلين على المستوى الترابي.