مع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية، وخاصة امتحاني الباكالوريا الجهوي والوطني، يعود الجدل كل سنة حول حجم الضغوط النفسية التي يعيشها التلاميذ وأسرهم، وحول المكانة التي أصبحت تحتلها هذه المحطة الدراسية في المخيال الجماعي للمغاربة.
وبين من يعتبر الباكالوريا بوابة حاسمة تحدد مصير الشباب، ومن يراها مجرد مرحلة ضمن مسار طويل من التحديات والاختيارات، تتزايد الدعوات إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع هذا الاستحقاق.
ويرى محللون تربويون أن الضغط المفرط الذي يرافق فترة الامتحانات غالبا ما يتحول إلى عامل سلبي يؤثر على أداء التلاميذ أكثر مما يساعدهم على تحقيق نتائج جيدة. فحالة التوتر والخوف من الفشل قد تدفع بعض المترشحين إلى فقدان التركيز والثقة بالنفس، رغم سنوات من التحصيل والاجتهاد. ويؤكد متخصصون في علم النفس التربوي أن الهدوء والثقة في المكتسبات الدراسية يشكلان عنصرين أساسيين للنجاح، أكثر من الخضوع لحالة استنفار نفسي واجتماعي تستمر لأسابيع.
ويلاحظ مراقبون أن المجتمع المغربي ما زال ينظر إلى شهادة الباكالوريا باعتبارها لحظة فاصلة ترسم مستقبل الفرد بشكل نهائي، في حين أن التحولات التي يعرفها سوق الشغل ومسارات التكوين أظهرت أن النجاح المهني والاجتماعي لم يعد مرتبطا فقط بالحصول على معدلات مرتفعة أو الولوج إلى تخصصات بعينها. فالمهارات الشخصية، والقدرة على التكيف، وروح المبادرة، والاختيارات المهنية السليمة، أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن النتائج الدراسية.
وفي هذا السياق، يعتبر عدد من الباحثين في قضايا التربية أن الباكالوريا ليست سوى محطة ضمن سلسلة طويلة من المحطات التي يمر منها الإنسان خلال حياته. فالعديد من التجارب الناجحة لم تكن بالضرورة مرتبطة بنتائج استثنائية في الدراسة، بقدر ما كانت ثمرة إصرار وتطوير مستمر للمهارات والقدرات الذاتية. كما أن بعض التلاميذ الذين لم يحققوا النتائج التي كانوا يطمحون إليها تمكنوا لاحقا من بناء مسارات مهنية ناجحة عبر التكوين المهني أو المقاولة أو مجالات أخرى فرضت نفسها بقوة في السنوات الأخيرة.
ولا يقتصر النقاش على التلاميذ وحدهم، بل يمتد إلى الأسر التي تجد نفسها في قلب هذه المعادلة. فبحسب مراقبين للشأن التربوي، يتحول القلق المشروع على مستقبل الأبناء أحيانا إلى ضغط إضافي يثقل كاهلهم، خاصة عندما يتم ربط النجاح الدراسي بتحقيق أحلام الوالدين أو استنساخ تجاربهم الشخصية. ويؤكد هؤلاء أن دور الأسرة يجب أن يتركز على الدعم والمواكبة وتوفير الظروف الملائمة للاجتهاد، بدل تحميل الأبناء أعباء توقعات قد لا تنسجم مع طموحاتهم واختياراتهم الخاصة.
ويشدد خبراء على أن مرحلة ما بعد الباكالوريا تمثل بداية حقيقية لتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالدراسة أو التكوين أو العمل، ما يجعل من الضروري تعزيز ثقافة الاستقلالية لدى الشباب منذ سن مبكرة. فالحياة، بحسب هؤلاء، لا تختزل في امتحان أو شهادة، وإنما في القدرة على اتخاذ القرار ومواجهة التحديات والتعلم من التجارب والنجاحات والإخفاقات على حد سواء.
وفي ظل النقاش المتجدد حول الامتحانات الإشهادية، تبدو الحاجة ملحة إلى ترسيخ خطاب أكثر توازنا يخفف من هالة الخوف المحيطة بالباكالوريا، دون التقليل من أهميتها. فهذه المحطة تبقى استحقاقا دراسيا مهما، لكنها ليست نهاية الطريق ولا الحكم النهائي على مستقبل التلميذ، بقدر ما تشكل خطوة ضمن مسار حياة طويل تحدده الإرادة والاجتهاد والقدرة على صناعة الفرص واستثمارها.