شهد قطاع التعليم في المغرب تحوّلاً عميقاً خلال العقدين الأخيرين، بعدما انتقل من وضعية مقلقة في بداية الألفية إلى مؤشرات تقارب مستويات الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى بحلول عام 2023. هذا التحسن اللافت في تقليص الهدر المدرسي يعكس مساراً إصلاحياً طويلاً، لكنه لا يخفي استمرار تحديات بنيوية تؤثر على فعالية المنظومة.
ويُظهر تقرير الرصد العالمي للتعليم لسنة 2026، الصادر عن اليونسكو، أن هذا التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة توجه سياسي واضح منذ أواخر التسعينيات جعل من التعليم أولوية وطنية. فقد تمكن المغرب من خفض نسبة الأطفال غير المتمدرسين بوتيرة سنوية بلغت 1.6 نقطة مئوية، وهو ما يُعد أداءً سريعاً ومستداماً على مدى أكثر من 25 سنة، مكن من تقليص أعدادهم بنسبة 72% بين 2000 و2023.
هذا التحسن تجسد بشكل أكبر في التعليم الثانوي، حيث تضاعف عدد التلاميذ بشكل ملحوظ، مدعوماً بتوسع كبير في البنية التحتية التعليمية. كما ارتفعت نسب الالتحاق بمختلف الأسلاك، ما يعكس مجهوداً واضحاً في تعميم التمدرس وتعزيز فرص الولوج.
ولعبت البرامج الاجتماعية دوراً محورياً في هذا المسار، خاصة لفائدة الفئات القروية والهشة. فقد ساهم النقل المدرسي وبرنامج “تيسير” للتحويلات المالية في الحد من الانقطاع، عبر تخفيف الأعباء المالية وتقليص تأثير البعد الجغرافي، وهو ما انعكس في تراجع كبير لمعدلات الهدر، خصوصاً في صفوف المراهقين.
كما برزت أهمية برامج إعادة الإدماج، مثل “مدرسة الفرصة الثانية”، التي مكنت آلاف الشباب من العودة إلى الدراسة أو الاندماج في التكوين المهني وسوق الشغل، ما يعزز مقاربة الفرص البديلة داخل المنظومة.
ورغم هذه النتائج الإيجابية، لا تزال تحديات عدة مطروحة. من أبرزها ارتفاع معدلات التكرار، خاصة في التعليم الإعدادي، إلى جانب تزايد كلفة التعليم على الأسر، وهو ما قد يحد من استمرارية التمدرس لدى الفئات الأكثر هشاشة. كما تستمر الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي، مما يطرح إشكال تحقيق الإنصاف المجالي.
في ضوء ذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة تفرض على المغرب الانتقال من التركيز على توسيع الولوج إلى ضمان جودة التعليم وتحقيق العدالة التربوية، بما يضمن استدامة المكتسبات ويحد من الإقصاء داخل المنظومة.