تحقيق فرنسي يكشف إجرام النظام الجزائري تجاه المعارضين

في تحقيق صادم بثته القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي، تفجّرت مجددا ممارسات النظام الجزائري خارج حدوده، كاشفة وجهاً آخر لدولة لم تتردد في نقل أساليبها القمعية إلى قلب أوروبا، في انتهاك سافر لسيادة فرنسا وقوانينها. التحقيق، الذي أُنجز بأسلوب استقصائي دقيق، عرّى نشاطا منظما لأجهزة المخابرات الجزائرية على الأراضي الفرنسية، هدفه التجسس على المعارضين السياسيين وملاحقتهم حتى وهم في المنفى، في وقت تعيش فيه العلاقات بين باريس والجزائر توترا سياسيا غير مسبوق منذ أشهر.
وأضاف التحقيق أن أجهزة الاستخبارات الجزائرية لم تكتف بالمراقبة التقليدية، بل سعت إلى التأثير في الرأي العام الفرنسي ومحاصرة الخطاب المنتقد للنظام، عبر استغلال فرنسيين من أصول جزائرية يشغلون مناصب في دوائر سياسية وإدارية وإعلامية، في محاولة واضحة لاختراق مؤسسات الدولة الفرنسية من الداخل، بأساليب تذكّر بممارسات الأنظمة الشمولية أكثر مما تليق بدولة تدّعي احترام القانون الدولي.

وتابع الصحافيون الفرنسيون أن المخابرات الجزائرية نجحت فعليا في تجنيد موظف بوزارة المالية الفرنسية، يبلغ من العمر 56 سنة ويعمل في مجال المعلوميات، مستغلة أصوله الجزائرية. فخلال توجهه إلى قنصلية الجزائر بمدينة كريتاي لقضاء أغراض إدارية، جرى استدراجه من طرف ضابط مخابرات، قبل أن يزوّد هذا الأخير، بعد أيام قليلة فقط، بعنوان المعارض الجزائري المقيم بفرنسا والمعروف بلقب “أمير دي زد”، في خرق خطير لواجب التحفظ والقانون الفرنسي.
وأوضح التحقيق أن الموظف الموقوف لم يكن حالة معزولة، إذ أقرّ أمام المحققين بأنه ظل لمدة سنتين يمدّ المخابرات الجزائرية بمعطيات تخص نحو 15 معارضا جزائريا يقيمون بفرنسا، قبل أن تنكشف علاقته بالجهاز الاستخباراتي الجزائري ويوضع حاليا تحت المراقبة القضائية، في واحدة من أخطر قضايا التجسس الأجنبي التي تشهدها فرنسا في السنوات الأخيرة.
وقال الموظف، في تصريح للقناة الفرنسية الثانية، إنه لم يستوعب في البداية خطورة المعلومات التي كان يسلّمها، ولا ما يمكن أن تسببه من تهديد مباشر لحياة المعارضين، مدّعيا أنه تصرّف تحت الضغط والابتزاز، خاصة وأن والديه ما زالا يقيمان بالجزائر. غير أن هذه المبررات، كما يفهم من سياق التحقيق، لا تخفف من مسؤولية نظام اختار تصدير الخوف والقمع بدل معالجة أزماته الداخلية بوسائل سياسية مشروعة.

ويخلص التحقيق إلى أن ما جرى لا يمكن اعتباره حادثا معزولا، بل يعكس سياسة ممنهجة لنظام جزائري يضيق بأي صوت معارض، حتى خارج حدوده، ويواصل التعامل مع معارضيه بمنطق أمني بحت، غير آبه بالقوانين الدولية ولا بحرمة الدول التي تستضيف هؤلاء المعارضين، ما يضع باريس اليوم أمام اختبار حقيقي في الدفاع عن سيادتها وحماية أراضيها من اختراقات نظام لا يزال أسير عقلية المخابرات والوصاية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *