أثار الإعلان عن إطلاق منصة رقمية خاصة بالمسطرة الغيابية في القضايا الجنائية نقاشاً واسعاً في الأوساط القانونية، بعدما اعتبر بعض المحامين أن هذا الإجراء يطرح إشكالات تتعلق بمدى توافقه مع الضمانات القانونية وحماية حقوق المتهمين.
وفي هذا السياق، يرى رشيد أيت بلعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، في تدوينة له، أن نشر معطيات المتابعين في قضايا جنائية على منصة إلكترونية عمومية يثير تساؤلات جدية بشأن احترام مقتضيات المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية، معتبراً أن هذا الإجراء قد يتحول إلى شكل من أشكال التشهير بالمتهمين قبل صدور أحكام نهائية في حقهم.
وتُعتمد المسطرة الغيابية في ملفات الجنايات عندما يتعذر إحضار المتهم أمام القضاء بسبب عدم العثور عليه أو عدم استجابته للاستدعاء. وفي هذه الحالة تصدر غرفة الجنايات أمراً قضائياً بالشروع في هذه المسطرة، ليتم بعد ذلك نشر إعلان عبر المنصة الإلكترونية التي أحدثتها وزارة العدل.
وينص القانون على نشر إعلان يتضمن هوية الشخص المعني ومحل سكناه الأخير والتهم المنسوبة إليه، إضافة إلى أوصافه ورقم بطاقة تعريفه، وقد تُنشر صورته عند الاقتضاء، وذلك لمدة محددة تبلغ خمسة عشر يوماً. كما يدعو الإعلان المتهم إلى تقديم نفسه للسلطات القضائية أو الأمنية، ويطلب من أي شخص يعرف مكان وجوده إبلاغ الجهات المختصة.
غير أن أيت بلعربي يشير إلى أن التطبيق العملي لهذه المسطرة يطرح إشكاليات مرتبطة بمدى احترام إجراءات التبليغ القانونية المنصوص عليها في المادة 443، معتبراً أن الاكتفاء بعبارة “التخلف رغم الاستدعاء” قد يتم دون التأكد من استيفاء جميع شروط الاستدعاء القانونية.
كما انتقد نشر المعطيات الشخصية للمتهمين على منصة مفتوحة للعموم، معتبراً أن ذلك قد يمس بقرينة البراءة التي يكفلها الدستور المغربي وقانون المسطرة الجنائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص لم يصدر في حقهم حكم قضائي نهائي.
ويرى المحامي أن عرض هوية المتهمين وصورهم وبياناتهم الشخصية للعموم قد يخلّف آثاراً اجتماعية ونفسية يصعب تداركها لاحقاً، حتى في حال صدور حكم بالبراءة، نظراً لما قد يسببه ذلك من ضرر لسمعة الشخص وأسرته.
كما شكك في جدوى هذا الإجراء من الناحية العملية، معتبراً أن توقيف المتهمين غالباً ما يتم عبر الوسائل التقليدية للشرطة القضائية أو من خلال امتثالهم الطوعي، الأمر الذي قد يجعل النشر الإلكتروني مجرد وسيلة لإشهار المتابعات القضائية دون إضافة فعلية لمسار العدالة.
وفي سياق متصل، حذر أيت بلعربي من تدخل وزارة العدل، باعتبارها سلطة تنفيذية، في تدبير معطيات مرتبطة بملفات معروضة أمام القضاء ولم يصدر فيها حكم نهائي، معتبراً أن ذلك قد يطرح إشكالاً يتعلق بمبدأ فصل السلط واستقلال السلطة القضائية.
وختم المحامي ملاحظاته بالإشارة إلى قرار سابق للمحكمة الدستورية اعتبر أن مجرد تدبير الأنظمة المعلوماتية المرتبطة بالمعطيات القضائية قد يثير إشكالات دستورية، متسائلاً عن مدى توافق نشر معطيات المتهمين وصورهم للعموم مع روح الدستور ومبادئ حماية الحقوق والحريات.