في حادثة تنذر بتداعيات سياسية ودبلوماسية تتجاوز طابعها الميداني، أعادت تقارير إعلامية موريتانية، مساء الاثنين 29 دجنبر 2025، تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني بالمنطقة الحدودية الشمالية الشرقية لموريتانيا، عقب تعرض منقبين موريتانيين عن الذهب لهجوم منسوب لعناصر من الجيش الجزائري، في سياق يعكس تصاعد التوتر المرتبط بأنشطة التنقيب غير المنظم في مناطق حدودية شديدة الحساسية.
وبحسب شهادات منقبين نقلتها وسائل إعلام محلية، فإن قوة عسكرية جزائرية باغتت عشرات الموريتانيين أثناء مزاولتهم للتنقيب قرب الشريط الحدودي، حيث جرى، وفق الروايات ذاتها، الاعتداء عليهم بالضرب واستعمال الرصاص الحي لتفريقهم، ما أسفر عن إصابة عدد منهم بجروح متفاوتة الخطورة، إلى جانب توقيف عشرات الأشخاص دون الكشف عن عددهم أو مصيرهم. وأكدت المصادر أن بعض هذه التدخلات طالت منقبين داخل الأراضي الموريتانية، وهو ما يفتح باب التساؤل حول احترام الحدود الدولية وسلامة المدنيين.
هذا التطور خلف حالة من الهلع في صفوف مئات المنقبين الذين ينشطون بالمنطقة، خاصة في ظل حديثهم عن تكرار مثل هذه التدخلات، ما ينذر بتحول نشاط التنقيب، الذي بات يشكل مورد عيش لعدد كبير من الموريتانيين، إلى بؤرة توتر أمني دائم.
سياسيا، يأتي هذا الحادث في توقيت حساس بالنسبة للعلاقات الموريتانية الجزائرية، التي ظلت، رغم هدوئها النسبي، محكومة بتوازنات دقيقة. فاستهداف مدنيين موريتانيين، وخصوصا إذا ثبت وقوعه داخل التراب الوطني، من شأنه أن يضع نواكشوط أمام اختبار صعب بين الحفاظ على علاقات الجوار وعدم التساهل مع أي مساس بسيادتها أو بأمن مواطنيها. ومن شأن ذلك أن يدفع موريتانيا إلى مراجعة مقاربتها الأمنية والدبلوماسية في المناطق الحدودية، وربما المطالبة بتوضيحات وضمانات رسمية من الجانب الجزائري.
في المقابل، يندرج هذا الحادث ضمن سياق أوسع تعيشه الجزائر، التي تواجه، بحسب متابعين، عزلة إقليمية ودولية متنامية بسبب سياساتها المتوترة مع عدد من جيرانها ومواقفها الصدامية في قضايا إقليمية مختلفة. فبدل اعتماد آليات التنسيق والحوار لمعالجة إشكالات عابرة للحدود، مثل التنقيب غير النظامي أو الهجرة أو التهريب، يبدو أن المقاربة الأمنية الخشنة لا تزيد الوضع إلا تعقيدا، وتعمق صورة الجزائر كطرف متوتر في محيطه الإقليمي.
غياب أي تعليق رسمي من السلطات الجزائرية أو الموريتانية إلى حدود الساعة يزيد من ضبابية المشهد، ويجعل من الاتصالات الدبلوماسية المرتقبة عاملا حاسما في احتواء تداعيات الحادث. غير أن استمرار مثل هذه الوقائع، إن لم تتم معالجتها بحكمة ومسؤولية، قد يلقي بظلاله الثقيلة على العلاقات الثنائية، ويدفع المنطقة إلى مزيد من التوجس وعدم الثقة، في وقت هي في أمسّ الحاجة إلى التعاون والاستقرار بدل التصعيد والانغلاق.