شهد المغرب في السنوات الأخيرة تقلبات مناخية متسارعة، تتمثل في تتابع موجات الجفاف مع فترات مطرية غزيرة ومركزة زمنيا، هذه الظواهر لم تعد مجرد أحداث موسمية عابرة، بل مؤشرات على تحول مناخي إقليمي يفرض إعادة النظر في سياسات تدبير الموارد المائية والبنيات التحتية، سواء في المدن أو الأقاليم القروية.
وفي هذا السياق، أظهر تقرير حديث صادر عن World Weather Attribution أن شدة الأمطار القصوى في غرب البحر الأبيض المتوسط ارتفعت بنسبة 36% منذ عام 1950، مع تسجيل تأثير واضح للتغير المناخي على العواصف الأخيرة التي مست شمال المغرب، ما يطرح تساؤلات حول مدى استدامة الأمن المائي والزراعي في المملكة في ظل هذه التغيرات.
وفي قراءة علمية لهذه المعطيات، أوضح الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إحصائية معزولة، بل تعكس تحولات عميقة في دينامية النظام المناخي الإقليمي، خاصة في ظل الاحترار المتسارع الذي يشهده حوض المتوسط، والذي يعد من “النقاط الساخنة” للتغير المناخي عالميا.
وأشار بنرامل في تصريح لموقع “بلبريس” إلى أن الزيادة في شدة التساقطات القصوى ترتبط علميا بارتفاع درجة حرارة سطح البحر والهواء، ما يؤدي إلى تعزيز قدرة الغلاف الجوي على حمل بخار الماء، ومن ثم تفريغه على شكل عواصف مطرية أكثر كثافة خلال فترات زمنية قصيرة.
وأوضح أن هذا النمط أصبح أكثر وضوحا في شمال المغرب، حيث سجلت خلال السنوات الأخيرة حالات فيضانية مفاجئة وعواصف رعدية قوية ذات طابع استثنائي من حيث الغزارة والتركيز الزمني.
وأكد بنرامل أن هذه الظواهر لا تمثل موجة ظرفية عابرة، بل مؤشر واضح على تحول مناخي بنيوي في المنطقة. فالتغير المناخي لا يقتصر على ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة، بل يشمل أيضا تطرف الظواهر الجوية، سواء من حيث شدة الأمطار أو تواتر فترات الجفاف، وفي هذا السياق، فإن تزايد الأمطار القصوى بنسبة 36% منذ منتصف القرن الماضي يعكس مسارا تصاعديا طويل الأمد تدعمه نماذج المناخ العالمية والإقليمية.
كما شدد بنرامل على أن التحول المناخي لا يعني اختفاء الفترات الجافة، بل على العكس، المغرب يواجه مفارقة مناخية تتمثل في تعاقب فترات جفاف مطولة مع تساقطات عنيفة ومركزة زمنيا، ما يطرح تحديات كبرى أمام تدبير الموارد المائية والبنيات التحتية الحضرية والقروية.
وأضاف الخبير البيئي أن الاحترار العالمي لعب دورا حاسما في تضخيم قوة العواصف الأخيرة، إذ أن ارتفاع متوسط درجة حرارة الغلاف الجوي يزيد قدرته على الاحتفاظ ببخار الماء بنسبة تقارب 7% لكل درجة مئوية إضافية، وفق القوانين الفيزيائية لدورة الماء في الطبيعة، هذا الأمر يجعل العواصف التي تتشكل في مناخ أكثر دفئا محملة بطاقة حرارية ورطوبة أكبر، ما يترجم ميدانيا إلى أمطار أكثر غزارة ورياح أقوى واضطرابات جوية أشد عنفا.
وأشار بنرامل أيضا إلى أن مياه البحر الأبيض المتوسط، التي سجلت ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة خلال العقود الأخيرة، ساهمت في تغذية المنخفضات الجوية بطاقة إضافية، خصوصا عند تلاقي كتل هوائية باردة قادمة من الشمال مع هواء دافئ ورطب فوق سطح البحر. موضحا أن هذا التفاعل الديناميكي يعزز عدم الاستقرار الجوي ويضاعف من شدة العواصف الرعدية.
ورغم ذلك، أكد بنرامل أن الاحترار العالمي لم يكن السبب الوحيد في حدوث هذه العواصف، إذ تشكلها يرتبط أيضا بعوامل طبيعية كحركة التيارات النفاثة وأنظمة الضغط الجوي، لكنه كان عاملا مضخما زاد من حدتها وقابليتها لإحداث أضرار أكبر مقارنة بما كان يمكن تسجيله في مناخ أقل دفئا.
وخلص الخبير البيئي مصطفى بنرامل بأن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي بين التأثيرات الأطلسية والمتوسطية، أصبح أكثر عرضة لهذا النوع من الظواهر المركبة، ما يفرض تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وإعادة تقييم معايير تصميم البنيات التحتية، وتحيين خرائط المخاطر، واعتماد مقاربات استباقية في التخطيط العمراني والمائي، بما يتوافق مع التحولات المناخية المتسارعة في حوض البحر الأبيض المتوسط.