د.بلقاضي يكتب..حنكة الملك محمد السادس في تدبير الازمة المغربية / الاسبانية والمغربية/ الجزائرية

د . ميلود بلقاضي

تتفق عدة نظريات وابحاث ان إدارة الازمات تتأثر بالسمات الأساسية للقائد السياسي من اهمها: الكاريزماتية ،الحكمة، المهارات الدبلوماسية،اختيار لحظة اتخاذ القرار، التوفر على التبصر الثاقب وكيفية ومتى اصدار القرار الخ...

وهو ما يبدو واضحا في كيفية تدبير جلالة الملك محمد السادس الازمة مع اسبانيا ومع الجزائر، حيث نهج سياسة الحكمة والتبصر والتريث في اتخاذ أي قرار لحظات التوتر مع اسبانيا، وهذا من شيم ومميزات القادة الكبار.

وسياق هذا الكلام هو عدم طرد  المغرب السفير الاسباني من الرباط ،او قطع العلاقات مع الجزائر وطرد سفيرها رغم ضخامة الإساءة للمغرب ولمؤسساته.

بالنسبة لإسبانيا كان الكل ينتظر طرد السفير الاسباني، بعد توتر العلاقات مع اسبانيا التي غدرت المغرب واستقبلت زعيم الانفصاليين ،وعملت على تهريبه من المحاكمة على التراب الاسباني بتنسيق مع  المخابرات الجزائرية تحت غطاء حرب إعلامية تضليلية و شرسة ضد المغرب  .

ونفس الشيئ يقال حول عدم قطع المغرب العلاقات مع الجزائر وطرد سفيرها خصوصا بعد الهجوم الاخير للرئيس الجزائري تبون على المغرب وعلى مقدساته بالمجلة الفرنسية ‘’ le point’’.

  • المغرب يدرس الرد المناسب على إسبانيا .. ويتريث في طرد السفير من الرباط: عرفت العلاقات المغربية الاسبانية توترا لم يسبق له مثيلا ،وكان الكل ينتظر ان يطرد المغرب السفير الاسباني من الرباط ، خصوصا بعد ان تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي أخبارا مفادها عزم المغرب طرد السفير الإسباني بالرباط وتبليغه،الأسبوع الماضي، بأنه “شخص غير مرغوب فيه”، وذلك كخطوة احتجاجية على سماح إسبانيا بمغادرة غالي دون محاكمته بتواطئ مع مخابرات الجزائر ،بل ان العديد من الصحف الاسبانية أكدت ان طرد السفير الاسباني من المغرب مسألة وقت ليس الا ،كإجراء استثنائي سيادي للمغرب بهدف قطع العلاقات مع اسبانيا.

وحسب مصادر أمنية مسؤولة،لم يستدع المغرب السفير الإسباني بالرباط إلى مغادرة البلاد، مضيفة  أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء في حق السفير الإسباني بالرباط إلى حدود اللحظة.

والأكيد ان طرد السفير الاسباني من عدمه تبقى من اختصاصات رئيس الدولة أي جلالة الملك، لانه دستوريا مجال محفظ لجلالته،وترتبط ايضا بمدى رجوع اسبانيا الى رشدها والاعتراف بغدرها للمغرب والاصطفاف الى جانب الجزائر على حساب العلاقات المشتركة والاتفاقيات المبرمة بين البلدين.

ويتبين من بلاغ وزارتي الخارجية والداخلية، الثلاثاء الماضي أن السلطات المغربية تحتفظ بالحق في أن تقدم في الوقت المناسب، الردود المناسبة على اتهامات الحكومة الإسبانية للمغرب والتي لا له من الصحة.

ونشير ان سلوك الحكومة الإسبانية اتجاه المغرب في قضية استقبال وتهريب “مجرم حرب”، قد أحدث توترا مع المغرب من جهة، و أزمة سياسية داخل إسبانيا من جهة أخرى ؛بعد تزايد مطالب بعض القوى الاسبانية باستقالة وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليس المتواطئة في هذا الملف.وهو ما عبر عنه الأمين العام للحزب الشعبي الإسباني تيودورو غارسيا إيجيا، الذي طالب باستقالة “فورية” لوزيرة الشؤون الخارجية أرانشا غونزاليس لايا، بعد إدارتها “الكارثية” للأزمة الدبلوماسية مع المغرب بسبب تعاونها مع المخابرات الجزائرية وسماحها لدخول إبراهيم غالي الانفصالي على حساب المصالح المشتركة المغربية الاسبانية.

لذلك، ففي الوقت الذي كان الكل يعتقد طرد المغرب لسفير اسبانيا ،اختار جلالة الملك التريث والتبصر والتأني قبل اتخاذ قرار الطرد ،لان جلالة الملك يدرك بأن مستقبل العلاقات المغربية الاسبانية أعمق وأقوى وأمتن من تصرفات طائشة للحكومة الاسبانية الحالية التي ستزول قريبا، لكونه ملك ينتمي لجيل القادة الحكماء والمتبصرين والذين لا يتخذون قرارات متسرعة خصوصا لحظات الازمات، بل انه يتخذ المسافة مع الازمات ويدرسها برؤى استراتيجية من جميع الزوايا قبل اتخاذ القرار، مفصلا في ذلك بين المواقف السياسية للحكومات ذات الابعاد الراهنية والتكتيكية ، والمواقف الاستراتيجية المنسجمة مع منطق تاريخ العلاقات الدولية.

موقف المغرب زمن توتر العلاقات مع اسبانيا كان صارما وقويا برهن لإسبانيا والاتحاد الاروبي بأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الامس ، وبأن المملكة المغربية يجب التعامل معها كقوة  إقليمية صاعدة تبحث عن موقع لها في نادي الدول الكبرى .

الموقف الصارم للمغرب يروم ارسال رسالة قوية لإسبانيا ولدول اروبا، مفادها  على هذه الدول ان تتجاوز فكر القرون الماضية، وان تفهم المتغيرات التي يعرفها المحيط الإقليمي والدولي ، وبان المغرب لن يقبل ان تتعامل معه أي دولة مهما  كان شأنها بالتعالي او بالقوة او بفرض واقع الامر خصوصا في موضوع  الوحدة الترابية التي تعتبر بالنسبة للمغرب قضية وجود وليس قضية حدود .

لان جوهر القضية عند المغرب ليس هو طرف السفير الاسباني من عدمه ، بل تداعيات ذلك استراتيجيا على العلاقات بالمنطقة، لان من شأن عدم طرد السفير الاسباني من الرباط ترك الباب مفتوحا للدول الصديقة للقيام بالوساطة بين المغرب واسبانيا، لسد الباب امام مناورات الجزائر التي تتمنى ان يقطع المغرب العلاقة مع اسبانيا لتستغلها لصالحها ،لان اصعب ما في السياسة الخارجية هو الكرسي الفارغ، وقطع العلاقات مع الدول دون تفكير عميق ووعي بتداعيات ذلك وطرح البدائل.

ويتبين مع مرور الأيام ان جلالة الملك قائد استراتيجي لم يكن مقتنعا بان طرد السفير الاسباني هو الحل ، بل راهن على اليات أخرى للرد على اسبانيا منها خنق الاقتصاد الاسباني عبر اقصاء المغرب لموانئ اسبانيا من عملية مرحبا  والتي ستكبد اسبانيا خسائر تقدر بمليارات من الارورو.

  • المغرب وطرد السفير الجزائري وقطع العلاقات مع الجزائر: رغم مناورات ومكائد النظام العسكري الجزائري ضد المغرب ووحدته الترابية، فهناك عدة مؤشرات توحي بأن الازمة مع الجزائر لن تقود لقطيعة دبلوماسية معها بفضل حكمة وتبصر جلالة الملك الذي يعرف جيدا حماقة واستهتار والعقد التاريخية لرؤساء الجزائر وغبائهم.

فرغم موقف العداء الثابت من قبل الجارة الجزائر، فإن المغرب يفضل الحفاظ على الروابط القوية مع الشعب الجزائري الشقيق ،و مواصلة العمل من أجل تطوير العلاقات الثنائية على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل ،لان المغرب يميز في علاقاته مع الجزائر بين النظام والمؤسسة العسكرية من جهة، و بين الشعب الجزائري من جهة أخرى، خصوصا في المرحلة الحالية التي يعاني فيها الرئيس الجزائري من ضعف في السياسية التواصلية والدبلوماسية، وقبضة المؤسسة العسكرية على اتخاذ القرار بالجزائر، وهي مرحلة عابرة في حياة الشعب الجزائري، ومن المفيد للعلاقات بين الشعبين عدم التصعيد بشكل يضر بمستقبل هذه العلاقات وبالأخوة بين الشعبين المغربي والجزائري.

لذلك، فرغم وجود أزمة حقيقية مع الجزائر، فالمملكة تعتبرها في كل الأحوال دولة جارة وشقيقة، وأن هذا هو الأصل رغم الخلافات المستمرة بينهما.لان من شأن قطع العلاقات بين الجزائر والمغرب، الرهان على المواجهة المباشرة بين قوتين بمنطقة المغرب العربي يتنازعان حول الريادة ، الا ان الفرق بينهما ان المغرب يقوده ملك حكيم ذو بعد استراتيجي يؤطره فكر برغماتي حديث ، والجزائر يقودها رئيس مسيرا من طرف نظام عسكري فاسد .

لذلك ، سيصمد المغرب امام كل مناورات ودسائس الجزائر وغدرها،ولن يقوم بالقطيعة الدبلوماسية معها او طرد سفيرها ،رغم التحرشات تمارسها ضد المغرب لسد الباب امام الكيان الوهمي البوليساريو الذي يراهن على القطيعة في العلاقات المغربية الجزائرية ليدخل المنطقة في حالة حرب ، لاقتناع جلالة الملك بأن واقع السجال والتوتر القائم على المستوى السياسي بين المغرب والجزائر، يجب ان لا يكون على حساب العلاقات الوثيقة بين الشعبين المغربي والجزائري.

بصفة عامة نقول ،ان كيفية تدبير جلالة الملك للازمة مع اسبانيا ومع الجزائر في قضية استقبال وتهريب المجرم غالي تجسد مهارات جلالته في تدبير الازمات، مع ضبط مثير للنفس وباختيار قرار الحسم في الوقت المناسب وكل ذلك بهدوء وحكمة، وهي نفس المميزات التي ركزت عليها دراسة كل من فان فارت Van Wart ) وان كابيكو ( N  Kapucu) الصادرة سنة 2011  مؤكدة بأن قوة القادة الكبار تظهر في الازمات الكبرى ، وهو ما ينطبق عن  جلالة الملك محمد السادس المتوفر على سمات القادة الكبار ذووا التخطيط الاستراتيجي والرؤيا الاستشرافية لتدبير التوترات عكس قادة الجزائر الذين يبقى همهم هم تصدير الازمات الى المغرب وهذا من خصائص الأنظمة العسكرية الطاغية والمستبدة .

رئيس المرصد المغربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.