أثار التصريح الأخير للناشطة المثيرة للجدل مايسة سلامة الناجي، بشأن عدم صيامها شهر رمضان منذ عشر سنوات، موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، تراوحت بين الانتقاد الحاد والدفاع عن حرية الاختيار الفردي. وبينما انقسمت الآراء بين من اعتبر التصريح استفزازا لمشاعر الصائمين ومن رآه تعبيرا صريحا عن قناعة شخصية، دخل الناشط الحقوقي والمفكر الأمازيغي أحمد عصيد على خط النقاش، مقدما قراءة مغايرة لطبيعة الجدل الدائر.
وفي تدوينة نشرها على حسابه الشخصي على “فيسبوك”، اعتبر عصيد أن موجة “الحنق” التي رافقت تصريح مايسة لا تستند إلى مبررات موضوعية بقدر ما تعكس أزمة في تقبل الاختلاف داخل المجتمع.
وأوضح عصيد أن المعنية بالأمر لم تدعُ إلى مقاطعة الشعائر الدينية أو التشكيك فيها، بل اكتفت بالإعلان عن موقف شخصي ينسجم بحسب تعبيره، مع قناعاتها، معتبرا أن الإشكال لا يكمن في مضمون التصريح بقدر ما يكمن في صدمة الصراحة داخل فضاء اعتاد، حسب رأيه، “لعبة الأقنعة” وإخفاء المواقف المخالفة للسائد.
ويرى عصيد أن الجدل القائم يكشف توترا أعمق مرتبطا بطبيعة تمثل الهوية الجماعية، مشددا على أن وحدة الوطن لا تعني بالضرورة تجانسا دينيا كاملا، فالمغاربة كما يقول، يختلفون في قناعاتهم واختياراتهم الفردية، غير أن هذا التعدد لا ينتقص من انتمائهم المشترك إلى وطن واحد، ومن هذا المنطلق، اعتبر أن تصوير المجتمع المغربي ككتلة دينية متطابقة يتعارض مع الواقع الاجتماعي والثقافي الذي يعرف تحولات متسارعة.
وفي سياق متصل، استحضر عصيد البعد القانوني للنقاش، مذكّرا بأن القانون الجنائي المغربي، الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي، بات وفق توصيفه في وضعية “شرود وتسلل” قياسا إلى التحولات التي عرفها المجتمع.
واعتبر الناشط الحقوقي أن النقاش حول الحريات الفردية، بما فيها حرية المعتقد وممارسة الشعائر، يعيد إلى الواجهة سؤال ملاءمة المنظومة القانونية مع السياق الحقوقي والدستوري الراهن.
وخلص أحمد عصيد بالتأكيد على أن تصريحات من هذا النوع لا تمس “هوية الأمة” كما يروج بعض المنتقدين، بل تثير سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة المجال العام وحدود السلطة الأخلاقية فيه، فبين “منطق القبيلة” القائم على الرقابة الاجتماعية الصارمة و”منطق الدولة” المبني على القانون وضمان الحقوق، يرى عصيد أن النقاش الدائر اليوم يعكس صراعا رمزيا حول أي نموذج ينبغي أن يؤطر الحياة العامة.
وبين موجة الرفض والدفاع، يتواصل الجدل في الفضاء الرقمي، معيدا إلى الواجهة نقاشا متجددا حول حدود الحرية الفردية في مجتمع تتقاطع فيه المرجعيات الدينية والقانونية والثقافية، في انتظار ما إذا كان هذا السجال سيبقى حبيس المنصات الافتراضية أم سيتحول إلى نقاش عمومي أوسع حول إصلاحات قانونية ومجتمعية محتملة.