الركراكي: إصلاح التعليم العالي معركة مصيرية وليس إجراء قطاعيا

في مداخلته خلال اليوم الدراسي الذي احتضنته لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين حول مشروع قانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، أكد محمد الركراكي، عن رابطة الاستقلاليين، أن النقاش الدائر حول إصلاح منظومة التعليم العالي يندرج في إطار الاعتزاز بما حققته المملكة من تقدم مؤسساتي وتنظيمي، معتبرا أن جودة تنظيم هذا اللقاء تعكس مستوى التميز الذي بلغته البلاد في تدبير النقاشات الاستراتيجية الكبرى.

وأبرز المتدخل أن مناقشة مشروع القانون داخل هذا الصرح الديمقراطي تشكل مساهمة نوعية في نقاش وطني موسع، يجمع نخبة من الفاعلين التنمويين حول موضوع ذي أهمية بالغة، لما لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من تأثير مباشر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.

واعتبر أن تقوية هذه المنظومة لم تعد خيارا، بل ضرورة ملحة، مؤكدا أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول المتقدمة، وكذا الدول الصاعدة، جعلت من التعليم العالي والبحث العلمي رافعة أساسية لمساراتها التنموية.

وفي هذا السياق، استحضر الركراكي تجربة الصين، التي اعتمدت في مرحلة أولى على نقل التكنولوجيا، قبل أن تكرس ريادتها العالمية من خلال استثمار قوي في التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، لتصبح اليوم من بين الدول الرائدة عالميا في هذا المجال.

وشدد على وجود ارتباط وثيق بين تطور التعليم العالي وانتشار مجتمع المعرفة، وضمان تنافسية الاقتصاد، وإيجاد حلول مستدامة للإشكالات الاجتماعية والثقافية والبيئية.

وبخصوص السياق الوطني، أشار المتدخل إلى أن التوجيهات الملكية السامية والسياسات العمومية تؤكد بشكل واضح مركزية إصلاح التعليم العالي، مستحضرا مضامين خطاب ملكي سابق شدد على أن الإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين لا يتعلق بإصلاح قطاعي محدود، بل بمعركة مصيرية من أجل تحديث المجتمع، عبر الارتقاء بالبحث العلمي والابتكار وتأهيل الموارد البشرية، وبناء مجتمع واقتصاد المعرفة، وتوفير آفاق حقيقية للشباب.

وفي هذا الإطار، ذكر بأن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، المعتمدة سنة 2015، تمت ترجمتها إلى القانون الإطار رقم 51.17، غير أن إخراج مشروع قانون التعليم العالي تأخر، حسب قوله، لأزيد من سبع سنوات، في وقت تقترب فيه المرحلة الزمنية لتلك الرؤية من نهايتها.

وسجل محمد الركراكي مجموعة من الملاحظات بشأن مشروع القانون 59.24، معتبرا أنه يفتح الباب أمام إحداث أنواع جديدة من الجامعات والمؤسسات الجامعية، مقابل التخلي عن بعض المرتكزات الأساسية التي نص عليها القانون الإطار، خاصة ما يتعلق بتوحيد مكونات التعليم العالي العمومي داخل الجامعات، بما يضمن الانسجام والتكامل وتجاوز الاختلالات القائمة.

وأشار في هذا السياق إلى أن المشروع، في صيغته الحالية، يكرس واقع التشتت داخل منظومة التعليم العالي العمومي، من خلال اعتماد أصناف جديدة من المؤسسات، دون توضيح طبيعة العلاقة التي ستربط بينها، أو تحديد آليات واضحة للتكامل والتنسيق، فضلا عن غياب ضمانات كافية لتحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين مختلف المؤسسات.

وختم المتدخل بالتأكيد على أهمية تعميق النقاش البرلماني حول مضامين المشروع، بما يضمن إخراج قانون متوازن وقادر على تحقيق الأهداف الاستراتيجية لإصلاح التعليم العالي والبحث العلمي، في انسجام مع الرؤية الوطنية والتوجيهات الملكية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *