في تدوينة أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، اختار مصطفى الرميد، الوزير السابق، أن يضع إصبعه على الجرح القديم الجديد: العلاقة الملتبسة بين السياسي والصحافي، تلك العلاقة التي لطالما وُصفت بالتوتر المتبادل، لكن الرميد يقاربها بمنطق المسؤولية والمحاسبة، رافضاً تحويلها إلى خصومة شخصية أو صراع وجودي.
الرميد انطلق من مسلمة أساسية: لا السياسي عدو للصحفي ولا الصحفي خصم للمسؤول. لكن الواقع، كما يشير، غالباً ما يكون محكوماً بالريبة وسوء الفهم، إذ لا يستسيغ السياسي كثيراً أن يُفضَح سوء تدبيره أو تُنتقد قراراته عبر الإعلام، في حين يرى الصحافي في كل متابعة قضائية تهديداً لحرية التعبير ومحاولة لإسكاته.
غير أن الحقيقة، في نظر الرميد، لا تتوه بين الطرفين إلا حين تُغيب بوصلة العدالة ويُنتزع النقاش من سياقه المؤسسي.
في نظره، السياسي الذي تلاحقه اتهامات إعلامية تتعلق بالفساد أو تفتقده صفات النزاهة والاستقامة، ولا يلجأ إلى القضاء، إنما يقرّ ضمنياً بما نُسب إليه، وعليه أن يتحمل تبعات ذلك، إما بالاستقالة أو الإقالة.
أما من يلجأ منهم إلى القضاء ليحمي سمعته، فإنما يُمارس حقاً مشروعاً، بل ويُعزز بذلك احترامه للصحافة ولمؤسسات الدولة في آن. ذلك أن الصمت أمام اتهامات خطيرة ليس حكمة، بل جبن سياسي ينسف فكرة الشفافية التي يُفترض أن تُؤسس للعمل العام.
في المقابل، لا يجب أن تكون المتابعة القضائية فعلاً انتقامياً، بل وسيلة لكشف الحقيقة فقط. فإن اعتذر الصحافي أو تراجع عن تهمه، فذلك، بحسب الرميد، صك براءة ينبغي أن يُنهي الخصومة ويُغلق باب المقاضاة. بهذا المعنى، لا يصبح القضاء أداة لتصفية الحسابات، بل فضاء لتخليق الحياة العامة وإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والرقابة.
الرميد يُذكّر أيضاً بضرورة حصر أي متابعة للصحافيين أو المدونين في إطار مدونة الصحافة والنشر، ما دام الأمر يتعلق بخبر منشور على دعامة ورقية أو إلكترونية. وهو يستند في ذلك إلى المادة 72 من المدونة، التي تجرّم نشر الأخبار الكاذبة أو الوقائع الزائفة بسوء نية، وإلى المواد اللاحقة التي تحدد كيفيات المتابعة وشروطها وضماناتها.
الرؤية التي قدمها الرميد ليست مجرد مرافعة قانونية، بل هي دفاع عن توازن ضروري بين الحرية والمسؤولية. فالإعلام حين يتتبع المسؤولين السياسيين بوعي ومسؤولية، يدفعهم نحو الحذر والالتزام بالقانون، في حين أن لجوء السياسيين إلى القضاء يجعل الصحافة أكثر دقة وتريثاً. هكذا، وبمقدار ما يُضبط الإخبار بالتوثيق، يُضبط الفعل السياسي بالشفافية.
في لحظة يتقاطع فيها الإحباط الشعبي من السياسيين مع انحدار بعض الأداء الإعلامي، تكتسي تدوينة الرميد أهمية خاصة، لأنها تطرح نقاشاً جوهرياً حول من يراقب من، وكيف؟ وتُعيد التذكير بأن الديمقراطية ليست ترفاً خطابياً، بل شراكة تقوم على الوضوح، وعلى جرأة الصحافة وشفافية القرار السياسي، مع قضاء يحسم إذا انحرف أحد الطرفين عن جادة الصواب.