من الحبس إلى الإصلاح: قراءة أولية في قانون العقوبات البديلة

صادق مجلس النواب على مشروع قانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة في جلسة عمومية عقدت يوم الثلاثاء 24 أكتوبر 2023؛ والتي خصصت لدراسة والتصويت على مشاريع القوانين الجاهزة، بما فيها مشروع قانون العقوبات البديلة؛ بعد تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان حول المناقشة والتعديلات، قبل الاتفاق على الصيغة النهائية وعرضها على نواب الأمة، حيث صوت لصالحه 115 نائبًا، وعارضه 41، فيما امتنع 4 أعضاء عن التصويت.

وقد مر القانون بمحطات تشريعية مهمة؛ بعد أن صادق عليه المجلس الحكومي في 8 يونيو 2023، قبل أن يُحال على البرلمان في 16 فبراير 2023 لعرضه على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان؛ والتي صوتت لصالحه في 4 أكتوبر 2023 بعد اعتماد 31 تعديلاً من أصل 139 مقترحًا، ومن المنتظر أن يخضع القانون لمزيد من التحين بعد عرضه على مستشاري الأمة تمهيدًا لإصداره بشكل نهائي.

أهداف القانون وأهميته:
ويهدف القانون، وفقًا لمشرعيه، إلى إيجاد حلول لمكافحة تفشي الجريمة؛ وتقويم سلوك المجرم؛ وتعزيز قيم المواطنة فيه؛ والحد من ظاهرة الاكتظاظ في السجون، ضمن سياسة عقابية معاصرة إنسانية.

وتعد الوسائل الحديثة التي تهدف إلى بناء الإنسان وإدماجه بعد تأهيله وتمكينه وجعله أكثر إنتاجية قادرة على إخراج مواطن صالح، قادر على الاندماج والمساهمة في التنمية وبناء الأمة؛ وهو ما تسعى إليه العقوبات البديلة كبديل للوسائل التقليدية الزجرية والسالبة للحرية، والتي تشكل ركناً أساسياً من العدالة الجنائية.

وتعتبر العدالة الجنائية ركناً من إصلاح منظومة العدالة؛ التي أولى الملك عناية خاصة في توجيهاته، خصوصًا في خطاب 20 أغسطس 2009، وتضمنت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة بشأن مصالحة المغرب مع ماضيه، كما شكلت محور نتائج الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة ومناظرة مكناس حول السياسة الجنائية لسنة 2004.

ويأتي هذا المشروع كنتاج لمسار إصلاح المنظومة القانونية والقضائية في المغرب؛ وإرساء دعائم السياسة العقابية الناجعة، بما يتوافق مع مسار إصلاح منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان؛ خصوصًا في ما يتعلق بالمنظومة الجنائية، عبر أنسنة العقوبة في المملكة.

ويهدف مشروع القانون رقم 43.22 بشأن العقوبات البديلة إلى ترشيد العقاب؛ وتأهيل السجين؛ وإدماجه في الحياة الاجتماعية؛ والبحث في البدائل المعاصرة للعقوبة السالبة للحرية، بما يعزز تقويم السلوك الإجرامي وإعادة إدماج المحكوم عليه بشكل فعال.

التعديلات ومجالاتها:
وقد شمل التعديل تغييرات متكاملة في المنظومة الجنائية؛ سواء من حيث القواعد الموضوعية المتعلقة بالعقوبات والتدابير الوقائية، أو القواعد الشكلية الخاصة بمتابعة وتنفيذ العقوبة، مع توضيح الجهات المسؤولة عن التنفيذ؛ والمؤسسات المعنية بالعقوبات البديلة؛ والتعاون بين قضاء الحكم وقضاء تنفيذ العقوبة؛ والنيابة العامة؛ والإدارة السجنية؛ والمؤسسات الحاضنة للمحكوم عليهم بالعقوبة البديلة، إلى جانب الوسائل والإجراءات المتعلقة بتدبيرها وتنفيذها.

ومن المتوقع أن يشهد القانون الجنائي ثورة تشريعية فيما يخص النظام العقابي بالمغرب، من خلال مشروع قانون العقوبات البديلة رقم 43.22؛ الذي ينتظر فقط التأشير عليه من البرلمان قبل إصداره.

العقوبات البديلة من حيث الجوهر:
قام القانون بنسخ أحكام الفصل 14 من مجموعة القانون الجنائي المتعلقة بالعقوبات، والتي تصنف إما “أصلية” أو “إضافية”، ليصنفها إلى ثلاث أنواع تشمل العقوبات البديلة.

ويعرف المشرع العقوبات البديلة بأنها العقوبات التي تستبدل بالحبس المحكوم به لمدة لا تتجاوز خمس سنوات في الجرائم الجنحية.

وقد حدد المشرع ثلاثة بدائل للعقوبة السالبة للحرية:

  1. العمل لأجل المنفعة العامة:

يعرف العمل لأجل المنفعة العامة بأنه العمل غير المأجور المقدم لفائدة مصالح الدولة والجماعات الترابية؛ أو مؤسسات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة؛ أو المؤسسات العامة؛ أو الجمعيات والمنظمات غير الحكومية العاملة لصالح الصالح العام.

حدد المشرع السن الأدنى للعقوبة بـ 15 سنة؛ ومدة العمل بين 40 و3600 ساعة، مع مراعاة السن والجنس والمؤهلات والقدرات والنشاط المهني أو الحرفي؛ ويحتسب كل يوم ثلاثة ساعات عمل مقابل يوم حبس؛ ويلزم المحكوم بتنفيذ العمل خلال ستة أشهر من صدور المقرر التنفيذي، قابلة للتمديد مرة واحدة بقرار من قاضي التنفيذ، مع مراعاة صحة وسلامة جميع الفئات؛ وحق الدولة في الرجوع على المحكوم بالتعويض عن أي أضرار مباشرة.

  1. المراقبة الإلكترونية:

يمكن إصدار المراقبة الإلكترونية كبديل للحبس، عبر إخضاع حركة المحكوم للمراقبة ضمن نطاق جغرافي وزمني محدد، مع مراعاة خطورة الجنحة وسلامة الضحية؛ والظروف الشخصية والمهنية للمحكوم؛ وحقوق الأفراد المحيطين به.

 

  1. تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية:

تهدف هذه العقوبات إلى تقويم سلوك المحكوم عليه وإعادة إدماجه في المجتمع بطريقة آمنة وفعّالة، مع مراعاة حقوقه الأساسية وظروفه الشخصية والمهنية، وتشمل التدابير:

  • مزاولة نشاط مهني محدد أو متابعة دراسة أو تأهيل مهني؛
  • الإقامة بمكان محدد أو المنع من ارتياد أماكن معينة؛
  • المثول الدوري أمام المحكمة أو الشرطة أو مكتب المساعدة الاجتماعية؛
  • التعهد بعدم الاتصال بالضحايا؛
  • العلاج النفسي من الإدمان؛
  • إصلاح أو تعويض الأضرار الناتجة عن الجريمة.

 

  1. الغرامة اليومية:
    تتيح دفع مبلغ مالي بدل الحبس، وفق شروط موضوعية وشكلية، مع موافقة ولي الأمر في حالة الأحداث، وضرورة وجود صلح أو تنازل من الضحية، وأداء التعويضات المستحقة؛ وتتراوح الغرامة بين 100 و2000 درهم لكل يوم حبس؛ وينفذ الالتزام خلال ستة أشهر، قابلة للتمديد مرة واحدة.

شروط ومعايير الحكم بالعقوبات البديلة:
يمكن للمحكمة استبدال الحبس بالعقوبة البديلة إذا توفرت الشروط التالية:

  • أن تكون الجريمة جنحة؛
  • ألا تتجاوز مدة الحبس خمس سنوات؛
  • ألا يكون الحكم في حالة العود؛
  • ألا تكون الجريمة من الجنح الخطرة المستثناة بالقانون.

 

وتجوز المبادرة بالعقوبة البديلة:

  • تلقائيًا من القاضي؛
  • بطلب من النيابة العامة، المحكوم عليه، دفاعه، النائب الشرعي للحدث، مدير المؤسسة السجنية، أو أي ذي مصلحة.

 

الجنح المستثناة:

  • الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والإرهاب؛
  • الاختلاس، الغدر، الرشوة، استغلال النفوذ، تبديد الأموال العامة؛
  • غسيل الأموال؛
  • الجرائم العسكرية؛
  • الاتجار الدولي في المخدرات والمؤثرات العقلية والأعضاء البشرية؛
  • الاستغلال الجنسي للقاصرين أو ذوي الإعاقة.

شكلية تنفيذ العقوبات البديلة:
تتولى الإدارة المكلفة بالسجون متابعة تنفيذ العقوبات البديلة، ويختص قاضي تنفيذ العقوبات بالفصل في المنازعات المتعلقة بالتنفيذ، وإصدار القرارات المرتبطة بها، ومراجعة التقارير الدورية.

  • العمل لأجل المنفعة العامة: يصدر قاضي التنفيذ مقرر التنفيذ خلال خمسة أيام من إحالة النيابة العامة، محددًا المؤسسة المنفذة، وساعات العمل، وطبيعة مهام المحكوم.

  • المراقبة الإلكترونية: يتم تثبيت جهاز إلكتروني لمتابعة حركة المحكوم ضمن نطاق محدد، مع توقيع عقوبة عند الإخلال بالشروط.

  • تقييد الحقوق أو التدابير الرقابية والعلاجية: تتابع الإدارة التنفيذ تحت إشراف قاضي التنفيذ ووكيل الملك، ويلتزم المحكوم بالإدلاء بما يثبت التزامه بالبرنامج.

  • الغرامة اليومية: تدفع دفعة واحدة أو بالتقسيط خلال ستة أشهر، مع استبدال الأيام غير المؤداة بالعقوبة الحبسية الأصلية.

الإجراءات الانتقالية والأحكام الختامية:
أسند المشرع للإدارة المكلفة بالسجون، بالتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، متابعة تنفيذ العقوبات البديلة، وإعداد تقارير دورية حول سير تنفيذها، والإكراهات والحلول المقترحة، وتوجيهها إلى السلطات القضائية المختصة.

ومن المتوقع صدور نصوص تنظيمية بعد سنة من نشر القانون في الجريدة الرسمية، لتحديد كيفية متابعة وتنفيذ العقوبات البديلة، والوسائل المطلوبة لذلك، بما في ذلك تدبير القيد الإلكتروني والمصاريف المفروضة على المحكومين، مع احتمال إدخال تعديلات خلال المناقشة في مجلس المستشارين.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *