تشكل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بالاقاليم الجنوبية وخصوصا جهات الصحراء محطة مفصلية في تحديد معالم مشهد سياسي وحزبي جديد يتشكل بهذه الجهات ، تماشيا مع قرب تنزيل مشروع الحكم الذاتي .
واكيد ان شكل هذا المشهد الحزبي الجديد بالصحراء هو من سيحدد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة، لكونها تتزامن سياق سياسي ودبلوماسي وتنموي مختلف عن الاستحقاقات السابقة. سياق تنظيم هذه الانتخابات بالصحراء، هو سياق استثنائي يعرف فيه فالمغرب مرحلة إعادة تموقع استراتيجي على المستويين الداخلي والخارجي، حيث تتقاطع رهانات استكمال ورش الجهوية المتقدمة، وتنزيل النموذج التنموي الجديد، وتعزيز الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، مع الحاجة إلى إنتاج نخب سياسية ، ومؤسسات تمثيلية قادرة على مواكبة هذه التحولات .
لذلك ، لم تعد المنافسة الانتخابية في استحقاقات 2026 مجرد سباق على المقاعد البرلمانية، بل أصبحت منافسة حول من يمتلك القدرة على قيادة المرحلة السياسية المقبلة.
ضمن هذا الإطار، برزت الأقاليم الجنوبية باعتبارها أحد أهم المجالات التي تشهد إعادة توزيع لموازين القوة الحزبية. فالتحولات التي تعرفها هذه الجهات خلال الأشهر الأخيرة تكشف عن انتقال المنافسة من مستوى المواجهة التقليدية بين الأحزاب الكبرئ : أي الاستقلال ، التجمع الوطني للاحرار والاصالة والمعاصرة إلى مستوى أكثر تعقيداً، يتمثل في التنافس داخل مكونات الأغلبية الحكومية نفسها. ويعكس هذا التحول إحدى الخصائص البنيوية للأنظمة الحزبية التعددية، حيث لا يؤدي الاشتراك في تدبير السلطة التنفيذية إلى إلغاء منطق التنافس، بل يعيد إنتاجه وفق رهانات جديدة تتعلق بقيادة الائتلاف الحكومي المقبل وتعزيز الموقع التفاوضي لكل حزب بعد الانتخابات.
![]()
في هذا السياق، تبدو الدينامية التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة في الأقاليم الجنوبية ذات دلالة سياسية تتجاوز بعدها التنظيمي. فالحزب لا يكتفي بتقوية هياكله المحلية، بل يعمل على إعادة بناء شبكات النفوذ السياسي عبر استقطاب منتخبين وفاعلين محليين يمتلكون رصيداً انتخابياً واجتماعياً، وهي استراتيجية تندرج ضمن ما تصفه أدبيات العلوم السياسية بعملية “إعادة اصطفاف النخب السياسية”، أي انتقال مراكز التأثير من تنظيم حزبي إلى آخر وفق اعتبارات تتعلق بفرص التموقع السياسي، وبالقدرة على تحقيق مكاسب انتخابية أكبر.
ولا يمكن فهم هذه التحركات بمعزل عن التحولات التي شهدتها الأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقلت هذه الجهات من كونها فضاءً يرتبط أساساً بالقضية الوطنية إلى فضاء يحتل موقعاً محورياً في السياسات العمومية للدولة. فقد ساهمت الاستثمارات العمومية الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز اللامركزية، في رفع الوزن الاقتصادي والمؤسساتي لهذه الجهات، كما أن التطورات الدبلوماسية المرتبطة بتوسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء منحتها بعداً سياسياً إضافياً، جعلها تحظى باهتمام متزايد من مختلف الأحزاب الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن التنافس الحزبي في الصحراء لم يعد مجرد تنافس على عدد محدود من المقاعد البرلمانية، بل أصبح تنافساً على المجال الترابي الأكثر حساسية في الخريطة السياسية المغربية. ذلك أن تحقيق حضور قوي داخل هذه الجهات يمنح الحزب رأسمالاً سياسياً يتجاوز نتائجه الرقمية، ويعزز صورته كفاعل يمتلك امتداداً وطنياً وقدرة على مواكبة التحولات الاستراتيجية التي تعرفها المملكة.
ومن منظور سوسيولوجي، تظل الأقاليم الجنوبية مجالاً انتخابياً تحكمه تفاعلات مركبة تجمع بين الاعتبارات السياسية والروابط الاجتماعية وشبكات الثقة المحلية. لذلك، فإن استقطاب الأعيان أو المنتخبين لا يمكن تفسيره فقط بمنطق الانتماء الحزبي، بل ينبغي قراءته في إطار إعادة بناء التحالفات المحلية وإعادة توزيع الموارد السياسية داخل المجال الترابي. ولهذا السبب، فإن أي انتقال لشخصيات ذات وزن انتخابي من حزب إلى آخر قد يحدث أثراً يتجاوز قيمته العددية، لأنه يعيد تشكيل توازنات النفوذ داخل المجال المحلي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن اعتبار التحركات الأخيرة لحزب الأصالة والمعاصرة محاولة لإعادة هندسة الخريطة الانتخابية بالأقاليم الجنوبية قبل سنة كاملة من موعد الاقتراع. غير أن الحديث عن “بعثرة أوراق” الأحزاب الحليفة ينبغي أن يبقى في حدود التحليل السياسي، لأن النتائج النهائية ستظل رهينة بعوامل متعددة، من بينها قدرة الأحزاب الأخرى على تجديد نخبها، والحفاظ على تماسك قواعدها التنظيمية، وتقديم برامج تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المنطقة.
كما أن هذه الدينامية لا تعني بالضرورة وجود تصدع داخل الأغلبية الحكومية، إذ إن التجارب المقارنة تؤكد أن الأحزاب المشكلة للائتلافات الحكومية تخوض، في الغالب، منافسة انتخابية حادة فيما بينها دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار التحالف الحكومي. فالتنافس الانتخابي يخضع لمنطق تعظيم المكاسب السياسية، بينما يخضع العمل الحكومي لمنطق التوافق حول تدبير الشأن العام. ولذلك، فإن ما يبدو اليوم صراعاً انتخابياً قد يتحول بعد الانتخابات إلى قاعدة لتشكيل تحالفات جديدة وفق موازين القوى التي ستفرزها صناديق الاقتراع.
وتكشف هذه المعطيات أيضاً عن تطور في الثقافة السياسية للأحزاب المغربية، حيث لم يعد الرهان الأساسي يقتصر على إدارة الحملات الانتخابية خلال الأسابيع السابقة للاقتراع، بل أصبح يقوم على بناء حضور ميداني مستدام، وإعادة هيكلة التنظيمات المحلية، واستقطاب الكفاءات، وإنتاج نخب قادرة على ضمان الاستمرارية الانتخابية. وهو تحول يعكس انتقال العمل الحزبي من منطق التعبئة الظرفية إلى منطق الاستثمار السياسي طويل الأمد.
وفي المحصلة، تبدو الأقاليم الجنوبية اليوم مختبراً حقيقياً لإعادة تشكيل التوازنات الحزبية بالمغرب. فما يجري فيها لا يعكس فقط تنافساً انتخابياً محلياً، بل يؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع مراكز القوة داخل النسق الحزبي الوطني. وإذا كانت نتائج هذا المسار ستظل رهينة بخيارات الناخبين وبقدرة الأحزاب على إقناع الرأي العام، فإن المؤكد هو أن الصحراء أصبحت إحدى الساحات التي سيتحدد فيها جانب مهم من مستقبل المشهد السياسي المغربي بعد سنة 2026، وأن التنافس الدائر فيها يمثل مؤشراً على أن معركة قيادة الأغلبية الحكومية قد بدأت فعلاً، وإن كانت لا تزال تُخاض بأدوات التنظيم والاستقطاب وإعادة التموضع أكثر مما تُخاض بخطابات الحملات الانتخابية التقليدية.