تتجه الأنظار إلى البرلمان الإسباني، الذي يستعد لمناقشة مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم، في خطوة أعادت هذا الملف إلى صدارة النقاش السياسي والقانوني، بالنظر إلى ارتباطه بملف الصحراء وبالعلاقات التي تجمع مدريد والرباط.
ويترقب المتابعون الجلسة البرلمانية المقررة في 23 يوليوز، والتي قد تشكل المنعطف الأخير في المسار التشريعي للمشروع، قبل انتقاله إلى المراحل الدستورية والإدارية الخاصة بدخوله حيز التنفيذ.
الخارجية الإسبانية: دعم القانون لا يتعارض مع الشراكة مع المغرب
وأكد وزير الشؤون الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، أن الحكومة لا تعرقل مشروع القانون، مشددا على أن موقفها الداعم له لا يمس بالعلاقات الاستراتيجية التي تجمع إسبانيا بالمغرب.
وأوضح المسؤول الإسباني، خلال رده على سؤال داخل البرلمان، أن مدريد متمسكة بتطوير تعاونها مع الرباط في مختلف المجالات، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والإنسانية بين البلدين، معتبرا أن ذلك لا يتناقض مع معالجة الملفات ذات الطابع الإنساني أو القانوني المرتبطة بالماضي الاستعماري لإسبانيا.
تعديلات على المشروع أثارت جدلا سياسيا
وأعاد المشروع إلى الواجهة النقاش الذي رافق التعديلات التي أدخلها الحزب الاشتراكي الإسباني على المقترح الأصلي، بعدما تقرر استبعاد الوثائق الصادرة عن جبهة البوليساريو ضمن وسائل إثبات الاستفادة من الجنسية، والاعتماد بدلا منها على وثائق رسمية توفر، بحسب مبررات التعديل، ضمانات قانونية أوضح.
هذا التغيير فتح الباب أمام تفسيرات متعددة، إذ اعتبره البعض خطوة قانونية بحتة، بينما رأى آخرون أنه يعكس حرص مدريد على تجنب أي تأويل سياسي قد يؤثر في علاقاتها الخارجية.
خبير: الرسالة كانت سياسية أكثر منها تقنية
ويرى باهي العربي النص، مدير مركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تصريحات وزير الخارجية الإسباني لم تكن مجرد جواب على سؤال برلماني، بل حملت رسائل سياسية واضحة بشأن طريقة تعامل الحكومة مع هذا الملف.
وأوضح أن ألباريس حرص على نفي الاتهامات التي وجهت إلى الحزب الاشتراكي بعرقلة المشروع، مؤكدا أن الحكومة تؤيده من حيث المبدأ، لكنها تراعي في الوقت نفسه شبكة المصالح التي تربط إسبانيا بالمغرب، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي.
وأضاف أن الإشارة إلى وجود آلاف الشركات الإسبانية العاملة بالمغرب، إلى جانب الجالية المغربية الكبيرة المقيمة بإسبانيا، تعكس حجم الاعتبارات التي تحكم الموقف الرسمي لمدريد.
المشروع مرتبط بالسياق الدولي للنزاع
واعتبر المتحدث أن قراءة مشروع القانون بمعزل عن تطورات قضية الصحراء تبقى قراءة ناقصة، مبرزا أن المبادرة تندرج ضمن دينامية دولية تسعى إلى تهيئة الظروف لتقريب وجهات النظر بشأن النزاع، بالتوازي مع المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن تزامن إعادة إحياء هذا الملف مع تصاعد الحديث عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية واقعية للحل، يعزز فرضية وجود مقاربة سياسية أوسع تتجاوز البعد القانوني البحت.
التأجيل كان رهانا على الظرف السياسي
وفي قراءته للموقف الذي اتخذه الحزب الاشتراكي، أوضح العربي النص أن الأمر لم يكن رفضا للمشروع، وإنما تأجيلا فرضته اعتبارات مرتبطة بالتوقيت السياسي، حتى يمر القانون في ظروف تضمن استقراره وعدم تعرضه للتراجع في حال حدوث انتخابات مبكرة أو تغيير في الأغلبية الحكومية.
وأضاف أن المصادقة البرلمانية، إذا تمت، ستجعل القانون جزءا من المنظومة التشريعية الإسبانية، ولن يتبقى بعدها سوى استكمال الإجراءات الإدارية اللازمة لدخوله حيز التنفيذ.
“الكوركاس”: القانون قد يغير موازين داخل المخيمات
من جانبه، اعتبر رمضان مسعود العربي، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، أن المشروع يندرج ضمن نهج سبق لإسبانيا أن اعتمدته مع فئات أخرى تربطها بها روابط تاريخية، مثل المنحدرين من المستعمرات الإسبانية السابقة واليهود السفارديم.
وأوضح أن النقاش الحالي يشمل أيضا إمكانية استفادة أبناء وأحفاد الأشخاص المعنيين، وهو ما يمنح المشروع بعدا قانونيا يتجاوز الجيل الأول.
البوليساريو قد تكون الأكثر تضررا
ويرى عضو “الكوركاس” أن جبهة البوليساريو، التي أبدت في السابق دعما للمبادرة، قد تجد نفسها أمام نتائج لا تصب في مصلحتها إذا أصبح القانون نافذا.
وأوضح أن عددا من سكان مخيمات تندوف قد يلجؤون إلى تسوية أوضاعهم القانونية والاستفادة من الجنسية الإسبانية بشكل فردي، وهو ما قد تكون له انعكاسات على أوضاع المخيمات مستقبلا.
وأضاف أن غياب مواقف رسمية واضحة من البوليساريو أو الجزائر تجاه المشروع يثير تساؤلات بشأن تداعياته المحتملة على الملف.
أبعاد سياسية تتجاوز الجانب القانوني
ويرى متابعون أن مشروع القانون لا يقتصر على معالجة أوضاع تاريخية مرتبطة بفترة الإدارة الإسبانية للصحراء، بل يعكس أيضا تفاعلات المشهد السياسي الإسباني، ويتقاطع مع الجهود الدولية الرامية إلى الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مناقشات البرلمان الإسباني، يبقى المشروع أحد الملفات التي تجمع بين الاعتبارات القانونية والحسابات السياسية، في ظل حرص مدريد على الموازنة بين التزاماتها الداخلية وشراكتها الاستراتيجية مع المملكة المغربية.