113 كيلو غراما للفرد سنويا ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية(فيديو)

في زمن تعيش فيه المملكة تحت وطأة إجهاد مائي غير مسبوق وموجات جفاف متتالية، تكشف الأرقام الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن مفارقة صادمة: نحو 4.2 ملايين طن من الغذاء تنتهي في النفايات المنزلية سنويا، أي بمعدل 113 كيلوغراما لكل مواطن، فالرقم الذي أورده المجلس في رأي جديد تبنته جمعيته العامة بالإجماع نهاية أبريل 2025، لا يعكس فقط هدرا للطعام، بل يمثل استنزافا صارخا لأهم الموارد التي تتقاتل المملكة للحفاظ عليها: الماء.

ويذهب التقرير الذي حصلت عليه “بلبريس” إلى أبعد من ذلك، إذ يكشف أن أكثر من 1.6 مليار متر مكعب من المياه تُستنزف سنوياً لإنتاج غذاء لا يصل في النهاية إلى المعدة، في بلد يتجه بخطى ثابتة نحو تصنيف “الإجهاد المائي الحاد”.

الرقم وحده قد يكون كافيا لإعادة ترتيب الأولويات، غير أن التقرير يقدم معطيات أخرى لا تقل إيلاما: 40 مليون رغيف خبز ترمى يوميا، وما بين 20 و40 في المائة من الخضروات والفواكه تضيع قبل أن تبلغ المستهلك.

ويؤكد المصدر ذاته أن الظاهرة لا تتوزع بشكل متساوٍ على سلسلة القيمة الغذائية، فهي تبدأ من الحقل حيث ضعف تقنيات التخزين وغياب وسائل النقل الملائمة، وتنتهي عند المستهلك الذي تدفعه عادات الشراء المفرط والخلط بين تواريخ الصلاحية إلى رمي ما كان يمكن أن يسد رمق أسرة بأكملها.

اللافت في تشخيص المجلس أنه لا يوجه أصابع الاتهام إلى طرف بعينه، بل يرسم صورة مركبة لعجز جماعي. في الأسواق الأسبوعية والمحلات التقليدية، تعرض الخضراوات والفواكه في العراء تحت أشعة الشمس والغبار، فتفسد قبل أن تُشترى. في المطاعم والفنادق، تتراكم كميات من الطعام لم يمسها أحد. في البيوت، تتحول الثلاجات إلى مقبرة للمأكولات المنسية، ويُعاد ملء الأطباق قبل أن تفرغ.

أما على المستوى الرسمي، فالتقرير الذي أعدته لجنة البيئة والتنمية المستدامة بالمجلس لا يتردد في انتقاد غياب رؤية وطنية موحدة. ورغم وجود مبادرات متفرقة لوزارات الزراعة والانتقال الطاقي والماء، فإنها تبقى “مشتتة وغير منسقة”، وتفتقر إلى إطار قانوني يجرّم إتلاف الفائض ويشجع التبرع به. ويتجلى العجز الأكبر في غياب مرصد وطني يجمع البيانات بشكل منهجي، فلا أحد يعرف بدقة حجم الكارثة.

ويبرز التقرير مفارقة لافتة، المنتوجات الموجهة للتصدير تخضع لسلاسل تبريد صارمة ومعايير جودة صارمة، فتنخفض نسبة الفقد فيها إلى أقل من 5 في المائة.

لكن المنتوج نفسه إذا كان موجها للسوق المحلية، فإنه يعاني من نقص التخزين المبرد وسوء النقل، فارتفاع نسبة الفقد إلى حدود 40 في المائة يظل ممكنًا. إنها صورة بليغة عن تعدد سرعات الاقتصاد الوطني، وأيضًا عن تراتبية القيم التي تحكمه.

أمام هذا الوضع، لا يكتفي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالتشخيص المرير، بل يقترح جملة من الحلول تتركز في ستة محاور أساسية. في صلب هذه التوصيات، يبرز إصدار قانون شامل لمكافحة الفقد والهدر الغذائي يلزم الفاعلين الاقتصاديين بعدم إتلاف الفائض ويسهل التبرع به للجمعيات الخيرية.

كما يدعو المجلس إلى إنشاء مرصد وطني يتكفل بجمع البيانات بشكل موحد، بدل الاعتماد على تقديرات المنظمات الدولية التي تبقى في كثير من الأحيان تقديرية.

على المستوى الميداني، يوصي التقرير بتطوير بنيات التخزين والتبريد، خصوصا في المناطق الفلاحية ذات الإنتاج الكبير، وإنشاء وحدات تحويل قرب الحقول لإنقاذ الفائض من المحاصيل. كما يدعو إلى إطلاق حملات تحسيسية كبرى وإدماج ثقافة الاستهلاك المسؤول في المناهج الدراسية.

وفي كلمته الافتتاحية بالمناسبة، أبرز عبد القادر أعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في  لقاء تواصلي خصص لتقديم مخرجات رأيه حول موضوع “ضياع وهدر المواد الغذائية بالمغرب: حجم الظاهرة ورهاناتها من أجل تدخل ناجع”، أن اختيار المجلس تدارس هذا الموضوع يأتي بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتزايدة لهذه الظاهرة، وما تطرحه من تحديات تتعلق بنماذج الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الغذائي، بما يضمن الاستعمال الأمثل للموارد ويعزز استدامتها بالنسبة لبلادنا. وأوضح أن هذه الظاهرة تمس مختلف مراحل سلسلة القيمة الغذائية، حيث تسجل بعض السلاسل الفلاحية، لا سيما الفواكه والخضر والحبوب، نسب ضياع تتراوح بين 20 و40 في المائة خلال مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والنقل. كما أشار إلى بعض المعطيات الهامة التي جاءت من خلال منصة المجلس “أشارك” من طرف عدد من المواطنات والمواطنين.

وفي هذا الصدد، شدّد رئيس المجلس على ضرورة إدراج هدف الحد من الضياع والهدر في صلب استراتيجية وطنية مستقبلية مستدامة للتغذية، تروم تعزيز السيادة والأمن الغذائيين، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وترشيد الواردات الغذائية، فضلاً عن النهوض بنموذج غذائي أكثر استدامة وعدالة اجتماعية وقدرة على الصمود أمام الأزمات، بما يراعي أنماط الاستهلاك لدى الأسر المغربية.

من جهتها، أكدت مينة الرشاطي، عضوة المجلس ومقررة الرأي، على أن ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية تمثل تحدياً متعدد الأبعاد، لما يترتب عنها من آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية. وأشارت في هذا الإطار إلى أن بعض التقديرات تفيد بأن الأسر المغربية تخلصت من حوالي 4,2 ملايين طن من المواد الغذائية سنة 2022، أي بمعدل 113 كيلوغراماً للفرد سنوياً. هذا، وبالإضافة إلى كلفتها الاقتصادية التي تؤثر على وفرة المنتجات الغذائية، فإن هذه الظاهرة تزيد من الضغط على الموارد الطبيعية، إذ يتم سنوياً تعبئة ما يفوق 1,6 مليار متر مكعب من المياه لإنتاج مواد غذائية لا تبلغ مرحلة الاستهلاك النهائي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *