عاد الجدل حول واقع محاربة الفساد في المغرب إلى الواجهة، عقب صدور النتائج الأخيرة لمؤشر إدراك الفساد لسنة 2025، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، والتي أظهرت استمرار تموقع المملكة دون “عتبة النزاهة” المحددة في 50 نقطة، إلى جانب تسجيل تراجع جديد على مستوى الترتيب والتنقيط مقارنة بالسنوات السابقة، معطيات أعادت إلى السطح أسئلة الثقة في السياسات العمومية المعتمدة لمواجهة الفساد، وعمّقت منسوب القلق لدى الرأي العام الوطني بشأن نجاعة التدابير المعلنة وقدرتها على إحداث أثر ملموس.
في هذا السياق، بادرت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية إلى مساءلة الحكومة حول خلفيات هذا التراجع، عبر سؤال كتابي وضعته النائبة عائشة الكوط، وموجّه إلى الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
السؤال استحضر دلالات المؤشر الدولية، معتبراً أن استمرار المغرب في المنطقة الرمادية لمؤشر إدراك الفساد يعكس اختلالات بنيوية في تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ويطرح تساؤلات جدية حول مستوى الالتزام الحكومي بالشقين الزجري والوقائي.
واعتبرت المجموعة النيابية أن خطورة الوضع لا تنحصر في البعد الترتيبي أو الرمزي للمؤشر، بل تمتد إلى الانعكاسات الاقتصادية والمؤسساتية، في ظل ما يسببه الفساد من إضعاف لمبدأ تكافؤ الفرص، وإرباك لمسارات الاستثمار، وتأثير مباشر على مناخ الأعمال وجاذبية الاقتصاد الوطني، فضلاً عن كلفته الاجتماعية التي تثقل كاهل المواطنين وتعمق الإحساس بعدم الإنصاف.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، طالبت النائبة البرلمانية بتوضيح الأسباب الحقيقية الكامنة وراء التراجع المستمر للمغرب في مؤشر إدراك الفساد، متسائلة عما إذا كان الأمر مرتبطاً بضعف التنزيل، أو بغياب التنسيق بين المتدخلين، أو بتعثر تفعيل القوانين والمؤسسات المحدثة لهذا الغرض.
كما دعت الحكومة إلى الكشف عن الإجراءات الاستعجالية والعملية التي تعتزم اتخاذها لتجاوز هذه الوضعية، وتحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات ملموسة قادرة على استعادة الثقة وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
وفي محور ثالث، أعاد السؤال البرلماني تسليط الضوء على وضعية الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، متسائلاً عن مدى تقدم تفعيلها وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها كاملة، باعتبارها إحدى الركائز الدستورية لمكافحة الفساد. وهو ما يعكس، بحسب متابعين، اتساع الفجوة بين الإطار القانوني والمؤسساتي المعلن، وبين واقع الممارسة الذي ما زال يثير انتقادات داخلية وخارجية.
وبين ضغط المؤشرات الدولية وتصاعد الأسئلة البرلمانية، تجد الحكومة نفسها أمام اختبار حقيقي لإعادة الاعتبار لسياسة محاربة الفساد، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال قرارات واضحة وإصلاحات جريئة قادرة على إحداث قطيعة مع مظاهر الإفلات من المحاسبة، وتحسين موقع المغرب في التقارير الدولية، بما يخدم التنمية ويعزز الثقة في المؤسسات.