بين صناديق الاقتراع واللامبالاة… لماذا يدير الشباب ظهره للسياسة؟

تزداد مؤشرات الفتور السياسي في المغرب مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، ويبرز الشباب في قلب هذا التحول المقلق، لا باعتبارهم فئة غير مهتمة بالشأن العام، بل كعنوان لأزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والمؤسسات الحزبية.

أرقام حديثة صادرة عن استطلاع رأي وطني تكشف أن الهوة بين الشباب وصناديق الاقتراع آخذة في الاتساع، في ظل صورة باهتة للعمل الحزبي وعجزه عن استعادة المصداقية.

و يرسم الاستطلاع الذي أنجزه مكتب الدراسات “سونيرجيا” بشراكة مع صحيفة “ليكونوميست”، يرسم ملامح مزاج سياسي عام يتسم بالسخط.

إذ عبر ثمانية من كل عشرة مستجوبين عن عدم رضاهم عن أداء الأحزاب السياسية، مقابل أقلية محدودة لا تتجاوز 20 في المائة أبدت درجة من الرضا، فيما لم تتعد نسبة “الرضا الكبير” 7 في المائة، وهو ما يعكس أزمة ثقة تتجاوز الظرفية السياسية إلى عمق الممارسة الحزبية.

وتتجلى حدة هذا التراجع بشكل أوضح لدى فئة الشباب، التي يُفترض أن تشكل قاعدة التجديد السياسي، فبين من تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، لا تتجاوز نسبة الرضا عن أداء الأحزاب 17 في المائة، في حين لا يرى سوى 6 في المائة أن هذه الأحزاب تؤدي أدوارها بشكل مُرضٍ، وهي أرقام توحي بأن فئة واسعة من الشباب تشعر بأنها خارج حسابات الفعل السياسي، أو غير معنية بخطاب لم يعد يقنعها.

ولا ينفصل هذا التقييم السلبي عن الأسباب التي يقدمها المواطنون لتبرير مواقفهم،  فغياب النتائج الملموسة يتصدر قائمة الانتقادات بنسبة 64 في المائة، في إشارة واضحة إلى الفجوة بين الخطاب الانتخابي والواقع اليومي.

كما يرى 34 في المائة أن الأحزاب دأبت على تكرار وعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ، بينما اعتبر 24 في المائة أن القضايا الاجتماعية الكبرى، مثل التشغيل والصحة، لم تحظَ بالمعالجة المطلوبة.

إلى جانب ذلك، تبرز عوامل أخرى لا تقل تأثيرا، من بينها قضايا الفساد، التي اعتبرها 15 في المائة سببًا مباشرًا لفقدان الثقة، وضعف التواصل مع المواطنين (11 في المائة)، ونقص الكفاءة السياسية (10 في المائة).

كما عبّر جزء من المستجوبين عن إحساسهم بعدم الإنصات لانشغالاتهم، أو بضعف تمثيلية الشباب داخل الأحزاب، وهو ما يعمّق الشعور بالإقصاء السياسي.

هذا المناخ ينعكس مباشرة على نوايا المشاركة في الانتخابات المقبلة. فرغم أن 61 في المائة من المستجوبين عبروا عن استعدادهم للتصويت، فإن الحماس يتراجع بشكل لافت لدى الشباب.

إذ تنخفض نية المشاركة إلى 58 في المائة لدى الفئة العمرية 18–24 سنة، وإلى 46 في المائة لدى فئة 25–34 سنة، ما يجعل الشباب الفئة الأقل إقبالًا على المشاركة الانتخابية.

وعند سؤال غير الراغبين في التصويت عن أسباب موقفهم، تصدر انعدام الثقة في الأحزاب السياسية قائمة المبررات بنسبة 53 في المائة، يليه غياب مرشحين مقنعين (17 في المائة)، كما برزت أسباب أخرى مرتبطة بالإطار التنظيمي، مثل عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية أو ضعف الإلمام بالمسار الانتخابي.

ورغم هذه الصورة القاتمة، يكشف الاستطلاع عن هامش أمل، خاصة لدى الشباب، من خلال الاهتمام المتزايد بخيارات حديثة للمشاركة السياسية.

فقد صرح 67 في المائة من المستجوبين بأن اعتماد التصويت الإلكتروني قد يشجعهم على المشاركة، وترتفع هذه النسبة إلى 77 في المائة لدى الفئة العمرية الأصغر، ما يعكس استعدادا للانخراط إذا ما توفرت آليات أكثر ملاءمة لواقعهم الرقمي.

وتخلص معطيات الاستطلاع إلى أن العزوف الانتخابي، خصوصا في صفوف الشباب، لا يعكس عزوفا عن السياسة بقدر ما يعكس أزمة ثقة عميقة في الفاعل الحزبي وصورة العمل السياسي. أزمة تضع الأحزاب أمام امتحان حقيقي: إما مراجعة جذرية تعيد الاعتبار للوساطة السياسية، أو استمرار التباعد بين الشارع والمؤسسات المنتخبة، في لحظة سياسية دقيقة تسبق استحقاقات 2026.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *