في أجواء وطنية مشحونة بالرمزية التاريخية والدلالات السياسية، أحيا حزب الاستقلال، الأحد ببوزنيقة، الذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، خلال لقاء مركزي احتضنه المركز الدولي للشباب والطفولة، بحضور قيادات الحزب ومناضليه وشبابه من مختلف جهات المملكة، تحت شعار “مغرب صاعد بإرادة شباب واعد”.
وفي كلمته بالمناسبة، استحضر الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، البعد التاريخي والسيادي لوثيقة 11 يناير 1944، باعتبارها منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني من أجل تحرير المغرب وبناء دولته الحديثة، مؤكدا أن هذه الوثيقة لم تكن مجرد عريضة سياسية، بل تعبيرا عن وعي جماعي عميق والتقاء إرادة الحركة الوطنية مع إرادة العرش في لحظة فارقة من تاريخ الأمة.
وقال بركة إن حزب الاستقلال، الذي كان في طليعة من صاغوا وقدموا وثيقة الاستقلال، ظل وفيا لنهجه النضالي عبر مختلف المحطات الكبرى، سواء في معركة بناء الدولة الدستورية أو في الدفاع عن الوحدة الترابية أو في بلورة المشروع المجتمعي القائم على العدالة الاجتماعية والإنصاف وتكافؤ الفرص، مستحضرا في هذا السياق وثيقة التعادلية الاقتصادية والاجتماعية لسنة 1963 التي صاغها الزعيم الراحل علال الفاسي باعتبارها الامتداد الطبيعي لوثيقة الاستقلال، لنقل المغرب من مرحلة تحرير الوطن إلى مرحلة تحرير المواطن.
وأضاف أن الربط بين الوثيقتين يعكس جوهر المشروع الاستقلالي، القائم على الجمع بين السيادة السياسية والعدالة الاجتماعية، مؤكدا أن الاستقلال لا يكتمل معناه إذا لم يتحول إلى كرامة معيشية وعدالة مجالية وإنصاف اجتماعي يلمسه المواطن في حياته اليومية.
وفي امتداد لهذا المنظور، شدد بركة على أن المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، دخل مرحلة جديدة عنوانها الصعود الاقتصادي والتحول التنموي، حيث تعرف البلاد دينامية غير مسبوقة من الأوراش الكبرى والإصلاحات البنيوية التي حولت المغرب إلى قوة إقليمية صاعدة ونموذج تنموي متفرد، معتبرا أن هذه المرحلة تفتح فرصا حقيقية أمام الشباب ليكونوا في قلب التحول الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد أن الشباب اليوم مدعوون، كما كان شباب الحركة الوطنية بالأمس، إلى تحمل مسؤولية تاريخية في بناء مغرب المستقبل، عبر الانخراط في الاقتصاد الأخضر، وريادة الأعمال، والابتكار، والرقمنة، باعتبارها رافعات أساسية للتنمية، مشددا على أن حزب الاستقلال يضع الشباب في صلب مشروعه السياسي والمجتمعي، باعتبارهم خزان الطاقات وقاطرة التغيير.
وفي هذا الإطار، كشف بركة أن الحزب أطلق منذ سنة 2025 مسلسلا تشاوريا وطنيا واسعا مع الشباب من مختلف الجهات والأجيال، قصد بلورة “ميثاق وطني جديد للشباب”، يقوم على التشخيص المشترك للإشكاليات واقتراح الحلول والبدائل، مبرزا أن هذه الدينامية توجت بتنظيم “ملتقى الميزان للشباب 2.0”، الذي عرف مشاركة أزيد من 15 ألف شابة وشاب من داخل المغرب وخارجه، في تجربة ديمقراطية غير مسبوقة من حيث حجم التعبئة وآليات النقاش والتصويت والمساءلة.
وربط الأمين العام لحزب الاستقلال هذه الدينامية الشبابية بالتحول الوطني الكبير الذي أعقب الخطاب الملكي التاريخي في 31 أكتوبر، عقب القرار الأممي الذي اعتمد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي وذي مصداقية للنزاع حول الصحراء المغربية، معتبرا أن هذه اللحظة شكلت نقطة تحول فارقة أعادت رسم موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، وفتحت آفاقا جديدة لمغرب موحد، واثق، ومتجه بثبات نحو مزيد من الاستقرار والازدهار.
وأكد بركة أن حزب الاستقلال يظل في صدارة التعبئة الوطنية وراء الملك محمد السادس للدفاع عن مغربية الصحراء، والتعريف بمضامين الحكم الذاتي، وتأطير الساكنة في الأقاليم الجنوبية والانخراط في إنجاح هذا الورش السيادي، بما يعزز الوحدة الوطنية ويصون المكتسبات التنموية المحققة لفائدة ساكنة الصحراء.
وفي نبرة سياسية واضحة، نقل بركة ما عبر عنه الشباب خلال النقاشات التشاورية من رفض لاستمرار منطق “ما قبل 31 أكتوبر”، ومن التفاوتات المجالية والاجتماعية، ومن نماذج اقتصادية قائمة على الريع والمضاربة والجشع، مقابل المطالبة بمغرب المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة المجالية والثقة في القدرات الشبابية، مشددا على أن مغرب “السرعة الواحدة” الذي يتطلع إليه الشباب هو مغرب لا يترك أحدا خلفه، ولا يحول شبابه إلى عبء، بل إلى طاقة وفرصة.
واختتم الأمين العام لحزب الاستقلال كلمته بالتأكيد على أن الحزب سيظل حزب الوحدة والقيم والالتزام، وحزب الربط بين الأجيال، حاملا لمشروع وطني متجدد يجمع بين روح وثيقة الاستقلال ونَفَس ميثاق الشباب، من أجل مغرب صاعد، عادل، ومنصف، يقوده شبابه بثقة ومسؤولية نحو المستقبل.