شقق تنتظر ضحايا “المحج” بالبيضاء..ومخاوف من تضارب المصالح

يشكّل تمويل الشقق السكنية المبرمجة ضمن مشروع “النسيم” أحد المفاتيح المركزية لإنجاح ورش إعادة إيواء الأسر المعنية بمشروع تهيئة المحج الملكي، في سياق حضري واجتماعي بالغ الحساسية، تراهن فيه مدينة الدار البيضاء على مقاربة تمويلية مؤطرة تقوم على تقاسم الكلفة بين المستفيدين والدعم العمومي، بما يراعي القدرة الشرائية للفئات المستهدفة ويضمن في الآن ذاته توازن المشروع واستدامته.

ووفق المعطيات الواردة في وثائق طلب إبداء الاهتمام ودفاتر التحملات التي اطلعت عليها “بلبريس“، فقد جرى اعتماد ثمن تفويت موحد ونهائي للشقة في حدود 250 ألف درهم دون احتساب الرسوم، وهو ثمن مضبوط يخضع لمراقبة صارمة، ولا يمكن للمنعشين العقاريين تجاوزه أو تسويق الشقق خارج الإطار المحدد حصريًا لإعادة الإيواء.

ويقوم النموذج المالي المعتمد على توزيع واضح للكلفة بين الأسر المستفيدة وشركة الدار البيضاء للإسكان والتجهيزات، حيث تساهم الأسر بمبلغ يتراوح ما بين 70 ألف درهم و100 ألف درهم، بحسب الوضعية الاجتماعية والملف الإداري لكل أسرة، فيما تتكفل الشركة العمومية بتغطية الجزء المتبقي من الكلفة عبر مساهمة تتراوح ما بين 150 ألف درهم و180 ألف درهم لكل شقة، في صيغة دعم مباشر موجه حصريًا لإعادة الإيواء، بما يضمن الولوج إلى سكن لائق دون تحميل الأسر أعباء مالية تفوق قدرتها الفعلية.

ولا يُصرف هذا الدعم دفعة واحدة، بل يتم تحويله إلى المنعش العقاري وفق مراحل دقيقة مرتبطة بتقدم الأشغال، تشمل انطلاق الورش، بلوغ نسبة 50 في المائة من الإنجاز، الحصول على رخصة السكن، ثم التسليم النهائي، وهي آلية تهدف إلى ضمان الجدية واحترام الآجال وجودة التنفيذ، وربط التمويل العمومي بالإنجاز الميداني الفعلي.

وفي مقابل هذا الدعم، يفرض دفتر التحملات على المنعشين العقاريين تقديم ضمانات مالية في شكل كفالات بنكية أو رهون عقارية، لضمان احترام الالتزامات التعاقدية وإنجاز المشروع داخل الآجال المحددة، كما يمنع أي تفويت أو تغيير في وجهة الشقق، التي تظل مخصصة حصريا لإعادة إيواء الأسر المعنية، في إطار يروم حماية الطابع الاجتماعي للمشروع وضمان استفادة الفئات المستهدفة دون انزلاق نحو المضاربة العقارية.

ويستند مشروع “النسيم” كذلك إلى مقاربة تقنية–عقارية دقيقة، تقوم على تقسيم المجال إلى ثلاثة أشطر رئيسية تضم في مجموعها 16 قطعة أرضية، مخصصة لإنجاز الشقق السكنية، بما يسمح بتتبع أدق لتقدم الأشغال، وضبط وتيرة الإنجاز، وتفادي الاختلالات التي وسمت بعض تجارب إعادة الإيواء السابقة.

وتبلغ المساحة الإجمالية القابلة للبناء داخل المشروع حوالي 480 ألف متر مربع، فيما تصل المساحة الإجمالية للأوعية العقارية القابلة للتفويت إلى ما يقارب 182 ألف متر مربع، موزعة وفق كثافات ومعايير عمرانية محددة سلفًا، بما يضمن انسجامًا عمرانيًا بين مختلف مكونات القطب السكني الجديد.

ويُعد شرط حصر فوز كل منعش عقاري في شطر واحد فقط من أبرز المقتضيات التنظيمية التي تميز المشروع، إذ يروم تفادي تركّز العقار بين عدد محدود من الفاعلين، وتوزيع المخاطر، وتسريع وتيرة الإنجاز، وعدم رهن تقدم المشروع بأداء منعش واحد، فضلًا عن تسهيل المراقبة وربط المسؤولية بالإنجاز الفعلي، سواء على مستوى الجودة أو احترام المعايير العمرانية والبيئية المنصوص عليها.

ويأتي مشروع “النسيم”، الذي تشرف على تنزيله شركة الدار البيضاء للإسكان والتجهيزات بشراكة مع شركة تهيئة الدار البيضاء، في سياق دينامية حضرية متواصلة تعرفها العاصمة الاقتصادية، ترمي إلى معالجة إشكالية الدور الآيلة للسقوط، وتحسين صورة المدينة ومداخلها الكبرى، خاصة على مستوى محور المحج الملكي، باعتباره مشروعًا رمزيًا لإعادة تأهيل وسط الدار البيضاء.

ويستهدف المشروع، الذي ينتظر انتهاء آجال إيداع العروض في 15 يناير الجاري، إنجاز حوالي 7000 شقة اجتماعية موجهة حصريًا لإعادة إيواء الأسر المعنية بعمليات الهدم، على وعاء عقاري يمتد على مساحة تقارب 200 هكتار جنوب غرب المدينة، بمقاطعة الحي الحسني، في إطار تصور عمراني يراعي الاندماج داخل النسيج الحضري، واحترام علو البنايات، وشروط التهوية والإنارة الطبيعية، والولوجيات، وإدماج المساحات الخضراء والمرافق العمومية.

غير أن هذا الورش، على الرغم من طابعه الاجتماعي المؤطر، لا يخلو من تخوفات يعبر عنها متتبعون للشأن المحلي، تتعلق بـ”إمكانية تأثير المصالح الخاصة على مسار المشروع، بوجود منعش عقاري قوي بالجهة ويتعلق الأمر بزوج عمدة مدينة الدار البيضاء، وهو ما يثير مخاوف من تضارب محتمل للمصالح أو تدخل غير مباشر في مساطر التفويت أو اختيار المنعشين”.

ورغم غياب أي معطيات رسمية تؤكد هذه التخوفات، إلا أن مجرد تداولها بين المنعشين يعكس حساسية المشروع وحجم الانتظارات المرتبطة به، ويُعيد إلى الواجهة مطلب الشفافية الصارمة، وتكافؤ الفرص، وحياد المؤسسات المشرفة على المشروع، تفاديا لأي شبهة قد تُسيء إلى ورش يُفترض أن يكون نموذجًا في الحكامة وتدبير المال العام.

ويُنظر إلى مشروع “النسيم” كرهان حضري واجتماعي كبير، لا يقتصر على توفير سكن بديل، بل يؤسس لنموذج جديد في تدبير إعادة الإيواء، يقوم على التخطيط المسبق، والتدرج في الإنجاز، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع ربط التمويل بالإنجاز وضبط المساطر العقارية، بما يضمن انتقال الأسر المعنية إلى فضاءات سكنية لائقة، ويساهم في تخفيف الضغط عن أحياء وسط المدينة، شريطة أن يظل المشروع محصنًا بالشفافية والرقابة، بعيدًا عن أي تأثيرات أو مصالح قد تُفرغ بعده الاجتماعي من مضمونه.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *