إيران في مياه الخليج وتركيا في مياه شرق المتوسط.. أدوات لدور وهدف واحد

محمد مسعود الاحبابي

كانت الثورة الإسلامية في إيران 1979م البذرة التي أثمرت لنا كل الشرور والفتن الحالية في المنطقة، بعد أن غيرت الثورة الإسلامية أو بالأدق الثورة الإرهابية مسارات السياسات الداخلية والخارجية أيضا للنظام والشعب الإيراني، لتبدأ إيران سلسلة ممنهجة لتصدير أفكار ثورتها الأصولية الى مختلف بلاد العام الإسلامي عامة ودول منطقة الخليج العربي خاصة، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على الوضع الأمني في مياة الخليج العربي، وعلى الأمن والوضع الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي نفسها.

كي تدخل بعدها منطقة الخليج العربي مرحلة جديدة تماما، وتأخذ منحنى جديد عما كان عليه الوضع قبل عام 1979م، كي تدخل دول مجلس التعاون الخليجي في تحديات جديدة أمام إرهاب جديد من نوعه على منطقة الشرق الأوسط حينها، وتمر الأعوام ويزداد النظام الإيراني من دعمه للحركات الإنفصالية والمليشيات المسلحة في المنطقة بهدف تطويق دول الخليج العربي بريا، والسيطرة على مياة الخليج العربي بحريا.

فذهب النظام الأصولي في إيران ليمزق جسد الدولة العراقية، فهي كانت أكثر الرابحين من سقوط نظام صدام حسين عام2003م بعد الغزو الأمريكي للعراق، ثم فشل مشروع الإخوان المسلمون في بغداد، وحزبهم المسمى وقتها بـ "مشروع النهضة" (هو نفس الأسم الذي حمل أسم مشروعهم في القاهرة2012م وفشل أيضا) كي تتولى هي زمام الأمور في العراق عبر أذرعها الشيعية.

فكان إخوان العراق وقتها مدعومين بقوة من حزب العدالة والتنمية التركي الذى تولى زمام الأمور في تركيا قبل الغزو الأمريكي للعراق بشهور قليلة، في خطوة لم تأتي صدفة، بل كتكتيك في إستراتيجية طويلة، تهدف لتسليم العالم العربي والإسلامي الى دولتين الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتحكم العراق والشام والخليج، بينما تحكم تركيا العثمانية في ثوبها الإخواني الجديد شمال افريقيا ودول القرن الافريقي والساحل والصحراء.

ثم جاء التوغل الإيراني في سوريا سواء عبر التغلغل داخل رجال النظام السوري نفسه وعبر شركات خاصة إيرانية بدأت تحركاتها المريبة في مجال الاقتصاد السوري، كي يضع نظام الملالي في طهران الجمهورية العربية السورية كأحد أهم أولوياته بعد إنهيار العراق جراء الغزو الأمريكي لها، ثم إلتهام العنصرية البغيضة والطائفية المقيتة للعراق.

وكذلك ذهبت إيران بكل ثقلها العسكري والإستخبارتي والسياسي لبيروت، كي يتحول جنوب لبنان لمعسكر إيراني، تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني ولا يتبع للدولة اللبنانية من الأساس، كي تنقل إيران المعركة المحتملة بينها وبين المحتل الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية نفسها.

وهو الامر الذى تجلى في حرب لبنان عام 2000م، ثم حرب تموز2006 بين مليشيا حزب الله والمحتل الإسرائيلي أيضا، وبذلك تكون إيران تمكنت من مواجهة إسرائيل من النقطة صفر، ولكن يبدو إن نظام الملالي في طهران لم يكتفي بمواجهة إسرائيل فقط، فهو إن كان واجه إسرائيل مرتين في جنوب لبنان عامي 2000م و2006م، فقد واجه العرب عشرات المرات، وإشتبك مع كل الدولة العربية تقريبا، كي تصبح إيران شأنها شأن دولة الإحتلال، لا فرق إلا الشكل فقط، ويبقى المضمون واحد.

ثم توجهت إيران بالتزامن مع المتاجرة بالقضية الفلسطينية في المحافل الدولية وأمام شاشات التلفزيون وكاميرات الإعلام، لتصنع لنفسها موطئ قدم في قطاع غزة، فعقدت تحالف إستراتيجي مع حركة حماس، ولكن وكعادة إيران التي لم تلقي ببيضها كله في سلة واحدة، كانت إيران لعلمها الجيد بإنتماء حركة حماس للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمون مما يجعلها أقرب لتركيا ونظامها الإخواني الحاكم، فوسعت من دعمها لـ "حركة الجهاد الإسلامي"، مما جعل المعادلة العسكرية في قطاع غزة بين شقين الأول تركي تتبنى مواقفه على الأرض حركة المقاومة الإسلامية حماس، والثاني إيراني تتبنى مواقفه على الأرض حركة الجهاد الإسلامي.

ومن البداية في العراق مرورا بسوريا ثم جنوب لبنان الى قطاع غزة، وتمدد إيران ودعمها السياسي والعسكري للموالين لها من أنظمة ومليشيات وفصائل مسلحة في الدول العربية لم ينتهي بعد، فذهب نظام الملالي ليدق مسمار أخر في جسد الوطن العربي الممزق بأقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وبالتحديد في دولة اليمن السعيد، كي تختفي البسمة من على وجه اليمن، وتحل مكانها المتفجرات والقنابل.

كي يتحول الحوثيين من مجرد مكون في الشعب اليمني الى فريق مسلح ودولة داخل الدولة، وخنجر فارسي جديد لطعن الأمة العربية عامة والمملكة العربية السعودية خاصة، ولتهديد منظومة الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي والأمن القومي العربي معا.

ويبدأ بعدها تنظيم الحوثي الإرهابي في مخطط قذر يهدف لإستنزاف المملكة العربية السعودية اقتصاديا بالتزامن مع تهديد أستقرارها والأمن بداخلها، عبر استخدام الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة الإنتحارية لإستهداف مواقع إستراتيجية وحيوية داخل المملكة العربية السعودية نفسها.

كي يتمكن نظام الملالي بإيران عبر أداوته الخارجية وفي مقدمتها جهاز المخابرات الإيرانية وفيلق القدس القوة الضاربة للحرس الثوري الإيراني، وذراع إيران العابر للحدود، من تحويل الهلال الشيعي لبدر شيعي، يدور حول شبه الجزيرة العربية، ويلتف على كل دول الخليج بعد عملية تطويق عمل عليها نظام الملالي للسيطرة على دول مجلس التعاون الخليجي.

ولا ننسى دور إيران التخريبي في مملكة البحرين عام2011م، ثم محاولات تغلغلها داخل المجتمع الكويتي، وإستغلال قربها فكريا وإيدولوجيا من سلطنة عمان لتحييدها عن أي عمل عربي مشترك، وتماهي النظام القطري مع المخطط الإيراني لتفكيك دول الخليج من الداخل وتمزيق وحدتها.

ومن كل ما سبق ومع كل حرب جديدة كانت إيران تدفع بها لتفجير الوضع بدولة عربية، كانت مياة الخليج ترتفع سخونة ويزداد التوتر بها مع كل مناورة أو تدريب بحري تجريه البحرية الإيرانية، فأغلب المناورات والتدريبات البحرية الإيرانية في مياة الخليج العربي كانت تأتي لإستفزاز دول الخليج وتحديدا المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

حتى صار البعض يستشعر إن إيران تريد الدفع بالمنطقة لحربا خليجية ثالثة، قبل أن تستبق الوجه الأخر للعملة الأصولية في المنطقة المتمثل في النظام التركي لتنفيذ تلك الحرب في مياة شرق المتوسط، بعد أن صارت مياة البحر المتوسط لا تقل سخونة عن مياة الخليج العربي بفعل الدور التركي التخريبي في شرق المتوسط هو المماثل تماما لدور إيران في مياة الخليج، كي تصبح إيران وتركيا في معادلة واحدة معادية للأمن القومي العربي، وكي تصبح مياة الخليج وشرق المتوسط في معادلة واحدة تمس بشكل مباشر اقتصاديات دول جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

فبعد مرور شهر أغسطس2020م أنتهت معاهدة سيفر بمرور مئة عام عليها، وبعد ثلاثة أعوام أي في 2023م ستنتهي معاهدة لوزان أيضا بعد مرور مئة عام عليها، بالتزامن مع الإنتخابات الرئاسية التركية، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرى بنهاية تلك المعاهدات أن له الحق في إسترجاع ما فقده أجداده، وهي لحظة لم يستعد لها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو بالأدق منظري الشرق الأوسط الجديد من اليوم، بل تم العمل عليها منذ أن صعد حزب العدالة والتنمية بالمشهد التركي بنهاية 2002م والذي لم يكن صدفة يمارس ذلك الحزب الإسلامي النشاط السياسي حينها بدعم خارجي ضخما جدا، ليتجه بعدها للخطوة الأخيرة المنتظرة وهي الزعامة على كل المسلمون السنة بالعالم، تحت راية أستاذية العالم، وهو ما ترجم حرفيا في وثيقة تدعي "التوجيه الأمني الرئاسي 11" أو "11PSD" في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

كي تصبح مياة شرق المتوسط على نهج مياة الخليج، وإيران وتركيا في معادلة واحدة معادية للأمن القومي العربي على طول الخط وبكل الجبهات، ففي العراق كان كلا الطرفين مجتمعين على الأكراد والأيذيديين وأي معارضة تفضح أي فساد للتنظيمات المسلحة الإيرانية ببغداد، وفي اليمن شاهدنا كيف كان التنسيق بين تركيا وذراعها في اليمن حزب الإصلاح (إخوان اليمن) مع إيران وذراعها الطولى في اليمن إلا وهو تنظيم الحوثي، حتى جاء القتال كله موجه من حزب الإصلاح ضد المجلس الإنتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات وليس الحوثي المدعوم من إيران.

فيسعي كل من النظام الإيراني بحاكمه الحقيقي مرشد الثورة الإسلامية والتركي المتمثل في حزب العدالة والتنمية بشتى الطرق الشرعية والغير شرعية، القانونية والغير قانونية، المنطقية منها والخيالية في أغلبها، أن يعيد بسط نفوذ الامبراطورية الفارسية والخلافة العثمانية على منطقتنا العربية من جديد، فالإختلاف الإيدولوجي بين الجمهورية الإسلامية إيران وتركيا لم يمنعهم من إستغلال نقاط ضعف العرب.

وبالطبع تبقى جماعة الإخوان المسلمون وعناصرها في كل دولة عربية هي مفتاح الدخول لهم، فهم من فتحوا لهم أبواب سوريا، حتى قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متبجحا "سأصلي في المسجد الاموي قريبا"، وهم من مهدوا له طريق مصراتة وطرابلس وغريان والزاوية وسرت الليبية، بعد أن رفع مرتزقتها الأعلام التركية، مكفرين بنو جلدتهم ومن دمهم، قبل أن يقف وزير الخارجية الإيراني بجوار نظيره التركي في إسطنبول ليقول "إن أمن تركيا من أمن إيران" ثم إعلانه دعم حكومة الوفاق في غرب ليبيا ضد الجيش الوطني الليبي.

وهناك المئات من عناصر جماعة الإخوان في العراق الذين هللوا لجفاف نهر الفرات بفضل سدود تركيا على المنابع، بعد أن سلموا للغازي التركي أراضيهم ببعشيقة غرب العراق، كي تكون قاعدة عسكرية للتركي في شرق العراق، ومثلهم أخوان اليمن الذين عزفوا أعظم سيمفونية للخيانة بقيادة قائد أوركسترا فنون الفتن والشر توكل كرمان، كي تدخل بلادها في نفق مظلم، لا يعلم أحد نهايته الا الله، ومثلهم من أخوان الشيطان في العاصمة الصومالية مقديشيو الذين تحالفوا مع المخابرات التركية والإيرانية والمال القطري على حساب وطنهم، وطنهم الذي غدروا به وبشعبه الطيب، عندما أنقلب هولاء على الإمارات العربية المتحدة وعلى نعمتها عبر ما كانت تقدمه أبوظبي لأشقائها بالصومال، من أجل تنفيذ قرارات وأرضاء رغبات محور الشر بالمنطقة.

خلاصة القول أن إيران وتركيا وجهي لعملة واحدة، عملة التطرف وبث الفوضى والفتن لتدمير دول المنطقة، وهم باتوا الأكثر ضررا وخطرا على منظومة الأمن القومي العربي، في ظل تدخلاتهم السافرة في كافة ملفات المنطاقة وشئون الدول الداخلية دون توقف، ولا نعتقد من منبرنا هذا أن يمر عام 2021م عليهم كما مرت الأعوام السابقة التي تمادوا فيها الى أبعد مدى.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.