دراسة: الحرب على إيران قد تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط

في ورقة تحليلية جديدة صادرة عن وحدة الدراسات السياسية بالمركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، حذرت المؤسسة البحثية من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، معتبرة أن هذه المواجهة تمثل تحولا عميقا في قواعد الاشتباك السياسي والأمني في الشرق الأوسط، وقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية على المستوى الدولي.

وتحمل الدراسة عنوان “الحرب على إيران وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك السياسي”، حيث تسعى إلى تفكيك الخلفيات الاستراتيجية للحرب وتحليل انعكاساتها المحتملة على النظام العالمي والقانون الدولي ومسارات التفاوض السياسي، في ظل تصاعد التوترات الدولية وتزايد حدة التنافس بين القوى الكبرى.

وبحسب ما جاء في الورقة التحليلية، فقد شكلت الساعات الأولى من صباح 28 فبراير 2026 لحظة فارقة في مسار العلاقات الدولية، مع اندلاع حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وترى الدراسة أن ما حدث لم يكن مجرد تصعيد عسكري محدود أو جولة تقليدية من المواجهة، بل يمثل تحولا بنيويا في طبيعة الصراع في المنطقة، وانتقالا من مرحلة إدارة التوتر عبر الضغوط غير المباشرة إلى مرحلة الصدام المفتوح.

وتشير الورقة إلى أن توقيت الهجوم حمل مفارقة دبلوماسية لافتة، إذ جاء بعد أقل من 48 ساعة من انتهاء جولة مفاوضات مكثفة في جنيف حول الملف النووي الإيراني، كانت المؤشرات خلالها توحي بإمكانية تحقيق تقدم في المسار التفاوضي، وبينما كانت التصريحات الرسمية تتحدث عن منح المفاوضات مزيدا من الوقت، كانت الاستعدادات العسكرية تسير في اتجاه مختلف، ما دفع بعض المراقبين إلى وصف ما حدث بـ”الصدمة الدبلوماسية”.

وتؤكد الدراسة أن طبيعة الأهداف التي شملتها الضربات العسكرية تعكس مستوى غير مسبوق من التصعيد، إذ لم تقتصر العمليات على استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بل تجاوزت ذلك إلى ضرب مواقع حساسة وقيادات عليا في هرم السلطة العسكرية والسياسية الإيرانية، وهو ما اعتبرته الورقة تطورا خطيرا قد يرفع مستوى المخاطر الأمنية والسياسية في المنطقة إلى مستويات غير معهودة.

ومن خلال الورقة التحليلية فالحرب الحالية قد تعلن عمليا نهاية مرحلة طويلة من “حروب الظل” التي خيضت عبر الوكلاء في المنطقة، حيث تشير المعطيات إلى انتقال واضح نحو المواجهة المباشرة بين الدول، فالدور الأمريكي، وفق تحليل المركز، لم يعد يقتصر على الدعم السياسي أو اللوجستي، بل بات أكثر انخراطا على المستوى العملياتي، ما يضيق المسافة بين الفعل العسكري الإسرائيلي والإسناد الأمريكي.

وفي تحليل أعمق لخلفيات الصراع، تشير الدراسة إلى أن الحرب لا يمكن فهمها فقط من زاوية التوترات الأمنية أو النووية، بل ترتبط كذلك بحسابات اقتصادية وتكنولوجية معقدة،فمع تزايد الطلب العالمي على الطاقة نتيجة التوسع الكبير في مراكز البيانات العملاقة ومشاريع الذكاء الاصطناعي، أصبح أمن إمدادات الطاقة عاملا استراتيجيا في الصراع بين القوى الكبرى.

كما تضع الورقة التصعيد العسكري في سياق المنافسة الجيو-اقتصادية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، إذ إن استقرار تدفق الطاقة من منطقة الخليج يمثل أحد العناصر الحيوية لاستمرار النشاط الصناعي والتكنولوجي العالمي، خصوصا بالنسبة للاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

وتحذر الدراسة أيضا من التداعيات المحتملة للحرب على سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل أشباه الموصلات، التي ترتبط بشكل غير مباشر باستقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية في الشرق الأوسط.

وعلى مستوى ردود الفعل الإقليمية، تشير الورقة إلى أن إيران اتجهت إلى تعزيز قدراتها في مجال الردع السيبراني، عبر توسيع نطاق الهجمات الرقمية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية والأنظمة المالية، في محاولة لرفع كلفة المواجهة على خصومها، كما سجلت الدراسة امتداد الصراع إلى جبهات أخرى في المنطقة، خصوصا في لبنان، حيث تصاعدت المواجهات العسكرية على الحدود الجنوبية، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وبدء موجات نزوح في بعض المناطق.

وعلى مستوى الأبعاد القانونية والسياسية للحرب، تشير الورقة  أن ما يجري يضع النظام الدولي القائم على القواعد أمام اختبار غير مسبوق، في ظل تزايد اللجوء إلى مبررات “الدفاع الاستباقي” لتبرير العمليات العسكرية وبينما وصفت طهران الهجوم بأنه انتهاك جسيم للقانون الدولي، يرى عدد من الخبراء أن الحرب تكشف في الوقت ذاته عن هشاشة المنظومة الدولية عندما يتعلق الأمر بصراعات القوى الكبرى.

وتخلص الدراسة إلى أن الهدف غير المعلن للحرب قد يتجاوز حدود البرنامج النووي الإيراني ليصل إلى محاولة دفع إيران نحو مرحلة انتقالية في بنية الحكم، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها البلاد، وتشير التقديرات الاقتصادية الواردة في الورقة إلى احتمال تسجيل انكماش في الناتج المحلي الإيراني خلال عام 2026، وهو ما قد يفاقم من تعقيد المشهد الداخلي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يحذر المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة من أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم التوازنات الجيوسياسية لسنوات طويلة، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات محتملة على النظام الدولي وقواعد إدارة الصراعات في العالم.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *