كما نشرت “بلبريس” قبل شهر بالضبط (29 مارس 2026)، أصدرت قيادة حزب الاشتراكي الموحد قرارا بإقالة وفصل عضو المكتب السياسي السابق لـ”الشمعة” العلمي الحروني بشكل نهائي من الحزب ومن جميع هيئاته، وذلك بعد سلسلة من التجاوزات التنظيمية والأخلاقية التي وثقها الحزب في قرار رسمي.
وجاء هذا القرار الذي اطلعت عليه “بلبريس” ليثبت صحة ما كانت قد كشفت عنه الجريدة في وقت سابق، نقلا عن مصادرها، حول اتخاذ المكتب السياسي قرارا بطرد الحروني على خلفية الاتهامات التي وجّهها لقيادة الحزب بالمساس بماليته، وهو الخبر الذي نفاه الحروني بشدة واتهم الجريدة بـ”انعدام المصداقية والمهنية”، قبل أن تثبت الوقائع والوثائق الرسمية عكس ما ذهب إليه.
وكانت “بلبريس” قد علمت من مصادر خاصة أن المكتب السياسي لحزب الاشتراكي الموحد يتجه لاتخاد قرار بطرد العلمي الحروني، رئيس تيار “اليسار الجديد المتجدد”، على خلفية الاتهامات التي وجهها لقيادة الحزب بالمساس بماليته وسرقة ملايين السنتيمات، وأضافت المصادر ذاتها أن الاجتماع الذي جرى بشكل مستعجل وعن بُعد قبل يومين هو الذي أسفر عن هذا القرار.
![]()
وجاء في تقرير “بلبريس” أن الحروني كان قد كشف سابقا عن عدم المصادقة على القانون الأساسي للحزب بسبب اختلالات مالية واضحة، ملمحاً إلى سرقة عشرة ملايين سنتيم من خزينة الحزب، غير أن الحروني خرج في بيان توضيحي “مليئ بالحشو والاتهامات والمزايدات الفارغة” باتهام جريدة بلبريس بانعدام المصداقية والمهنية، نافيا جملة وتفصيلا أن يكون قد اتجه نحو منطق الطرد، ومؤكداً أنه يتبنى منطقا هجومياً في الرد، وهو التوضيح الذي نشرته بلبريس للمعني في إطار حقه في الرد.
لكن وثيقة الفصل الرسمية والموقعة من طرف الأمين العام جمال العسري، تؤكد اليوم بشكل قاطع صحة ما تم نشره، بل وتضيف إليه تفاصيل جديدة تثبت أن التحقيقات الداخلية كشفت عن تجاوزات أوسع مما كان متداولا. فالمادة المتعلقة بالاتهامات المالية في قرار الفصل تنص صراحة على أن الحروني قام بـ”اتهام الحزب بتبديد مبلغ مالي في تصريحاته الصحفية دون سند قانوني، مما مس سمعة الحزب في ذمته المالية”، وهو ما يتطابق تماماً مع ما نقلته “بلبريس” عن الحروني بخصوص التلميح إلى سرقة عشرة ملايين سنتيم.
![]()
وتكشف وثيقة الحزب أن المكتب السياسي سبق له أن أصدر بلاغا رسميا نفى فيه تلقي أي دعم مالي عمومي من الدولة منذ سنة 2021، مشيراً إلى أن مالية الحزب تخضع سنوياً لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات، وأن التقارير المنشورة تؤكد سلامتها وخلوها من أي شبهة.
وجاء هذا البلاغ التوضيحي ردا على ما تم تداوله خلال ندوة تأسيس تيار “اليسار الجديد المتجدد” التي نظمها الحروني، حيث شدد الحزب على أن هذه الندوة لا تمت له بصلة، ملمحاً إلى اتخاذ إجراءات قانونية بشأن نتائج الندوة التي اعتبرها مسيئة لسمعة الحزب وانتحالاً لرمزه.
وأوضح البلاغ ذاته أن التصريحات الصحفية المرافقة للندوة تضمنت اتهامات كيدية تتعلق بماليات الحزب، منها مزاعم حول اختفاء شيكين بقيمة تتجاوز عشرة ملايين سنتيم، واصفاً إياها بـ”المزاعم المختلقة التي تهدف للتشهير بالحزب وتضليل الرأي العام”.
ولم تقتصر متابعة الحزب لهذه القضية على البيانات والتوضيحات، بل امتدت إلى إجراءات عملية ملموسة. فالإجراءات التي قام بها الحزب فور علمه بالحادثة، بحسب البلاغ الرسمي، تمثلت في وضع شكاية لدى السلطات الأمنية بتاريخ 13 أبريل 2022، واسترجاع المبالغ عبر التحويل البنكي وفق المساطر القانونية، مع إطلاع المجلس الوطني للحزب على التفاصيل كاملة. وهذا يعني أن القضية المالية التي رفعها الحروني كانت محل تحقيق أمني وقضائي، وأن الحزب أثبت براءته وتم استرجاع الأموال، وهو ما يجعل اتهامات الحروني اللاحقة تندرج في خانة إعادة فتح ملف انتهى وجرى حسمه.
وتشير وثائق الفصل أيضا إلى أن الحروني لم يقتصر في تجاوزاته على الجانب المالي، بل امتدت إلى اتهامات للأمين العام للحزب بذهابه لإحدى الدول دون حجة ودليل وبسوء نية مبيته بهدف الإساءة، واقتراف جرائم السب والقدف والشتم بحق عضوات وأعضاء الحزب، والمس بسمعة الحزب لدى الرأي العام بتصريحات لاأخلاقية حول التحرش الجنسي والإيحاء به، وانتحال صفة منسق وطني لتيار غير قانوني وإصدار بيانات باسمه، وتنظيم ندوة صحفية رغم توجيه إنذار يدعوه للعدول، وإحداث مجموعات للتواصل عبر واتساب وفايسبوك تحمل اسم الحزب ورمزه دون تكليف.
وخلصت وثائق الحزب إلى أن المكتب السياسي جرب مع الحروني التدرج في فرض الجزاءات من تنبيه وإنذار بغية تحسين سلوكه، إلا أنه تمادى في تصرفاته المسيئة، مما استوجب الفصل النهائي.
وختم المكتب السياسي في القرار الذي توصلت به “بلبريس” قراره بتهديد الحروني بالمتابعة القضائية في حالة امتناعه عن تسليم أقنان مجموعات الواتساب والفايسبوك التي يشرف عليها.
وهكذا، وبانكشاف وقائع الملف كاملا، يتبين أن ما نشرته “بلبريس” كان دقيقا ومستندا إلى مصادر موثوقة، وأن نفي الحروني واتهامه للجريدة بعدم المصداقية لم يكن سوى محاولة يائسة للتهرب من المساءلة التنظيمية والأخلاقية، قبل أن تفضحه الوثائق الرسمية وتثبت للرأي العام أن المنطق الهجومي الذي تبناه لم ينجح في إخفاء الحقائق الثابتة، وأنه بات “المطرود من حزب الاشتراكي الموحد”.