أصبحت علاقة الحكومة بالهيئات المهنية، وخصوصا المحامين، في السنوات الأخيرة محور نقاش متواصل في المغرب، فكل مشروع قانون يخص المهنة أو منظومة العدالة لا ينظر إليه كمجرد نص تشريعي، بل كمرآة تعكس التوازن بين السلطة وحرية الممارسة المهنية.
ومن هذا المنطلق، يكتسي الخلاف الحالي بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول مشروع القانون المنظم للمهنة أهمية خاصة، ليس فقط لمستقبل المحاماة في المغرب، بل أيضا لمدى قدرة المؤسسات على اعتماد مقاربة تشاركية تحترم المكتسبات المهنية وحقوق المواطنين.
وفي هذا السياق، أكد نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء، محمد حيسي، أن “مشروع القانون يتضمن بعض المقتضيات الإيجابية، لكنه يحمل في المقابل بنودا وصفها بـ”الكارثية، خصوصا في ظل عدم احترام الاتفاقية التشاركية التي تم التوافق بشأنها سابقا”.
من جهته، اعتبر أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال، عبد العالي حامي الدين، في تصريح لموقع “بلبريس”، أن الأزمة الحالية تعود إلى ثلاثة عناصر رئيسية، أولها أسلوب تمرير القوانين، حيث تغيب المقاربة التشاركية الحقيقية مع الهيئات المعنية، ويعتمد تمرير التشريعات على الأغلبية الحكومية دون أي تشاور مسبق”.
العنصر الثاني حسب حامي الدين إلى “التراجع عن الاتفاقات السابقة المبرمة بعد إجراء المشاورات، إذ تعتمد الحكومة مشاريع قوانين مخالفة لما تم الاتفاق عليه، كما حدث مع مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول”.
وتابع أن “النفس التراجعي للتشريعات، له أثر كذلك، خصوصا فيما يتعلق بتحصين المكتسبات المرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، مشييرا إلى أن “هذا المنهج يظهر جليا في قوانين المسطرة المدنية والجنائية، ومشاريع قوانين مهنة العدول، وكذلك القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، ويتضح أكثر مع القانون المنظم لمهنة المحامين، خاصة فيما يتعلق بتقليص حرية التعبير، وتضييق هامش الحرية للهيئات المهنية، وتعقيد شروط الولوج والتكوين، وهي مقتضيات قد تحول مهنة المحاماة من مهنة حرة إلى مهنة مقيدة بشكل كبير”.
ويرى مراقبون أن “هذا الخلاف إلى يؤشر على أبعاد سياسية واجتماعية مهمة، فهو يعكس محاولات السلطة التنفيذية لإعادة ترتيب العلاقة مع المحامين وتحديد حدود النفوذ داخل المنظومة القضائية،كما قد يؤثر على جودة الدفاع عن الحقوق ويقلل الثقة في الإصلاحات القانونية، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطنين، واستمرار هذا التجاذب بين الحكومة والنقابات قد يؤدي إلى تقليص استقلالية المهنة وإضعاف ثقة الهيئات المهنية في الحكومة”.