يشكل ترسيخ الرواد الثقافية المغربية لدى الأطفال ركيزة أساسية في بناء شخصية متوازنة، واعية بهويتها، ومنفتحة في الآن نفسه على محيطها الإنساني. فالثقافة ليست مجرد معارف نظرية، بل منظومة قيم وسلوكيات تبدأ بالتشكل في سن مبكرة، ما يجعل الطفولة مرحلة حاسمة في نقل الموروث الثقافي الوطني.
وتزخر الثقافة المغربية بتنوع غني، يجمع بين الأمازيغي والعربي والحساني والأندلسي والإفريقي، وهو تنوع يمنح الطفل فرصة فريدة لفهم معنى الاختلاف والتعايش، غير أن هذا الرصيد الثقافي يظل مهددا بالتراجع إذا لم يدمج بشكل واع في منظومة التنشئة، سواء داخل الأسرة أو في الفضاءات التربوية.
في هذا السياق، تؤكد هاجر مجبر، صاحبة حضانة خاصة بمدينة الرباط وكوتش مختصة في التربية الايجابية، أن المؤسسات التربوية تلعب دورا محوريا في ربط الطفل بثقافته الأصلية منذ سنواته الأولى.
وقالت المتحدثة نفسها في تصريح لجريدة بلبريس الإلكترونية “إننا نحرص داخل الحضانة على إدماج عناصر من الثقافة المغربية في الأنشطة اليومية للأطفال، من خلال الحكايات الشعبية، والأغاني التراثية، واللباس التقليدي، وحتى الأعياد الوطنية والدينية، لأن الطفل حين يتعرف على ثقافته في سن مبكرة ينشأ أكثر ثقة في نفسه وأكثر وارتباطا بهويته”.
وأضافت هاجر مجبر أن التحدي اليوم لا يكمن في الانفتاح على الثقافات الأخرى، بل في تحقيق توازن ذكي بين هذا الانفتاح والحفاظ على الخصوصية الثقافية المغربية، معتبرة أن الطفل الذي يعرف جذوره جيدا يكون أقدر على التفاعل الإيجابي مع العالم.
وختمت الكوتش المتخصصة في التربية الايجابية تصريحها في أن غرس الثقافة الوطنية لدى الأطفال لا ينبغي أن يتم بأسلوب تلقيني، بل عبر أنشطة تفاعلية تحفز الخيال والإبداع، وتجعل الطفل يعيش الثقافة بدل حفظها، كما أن إشراك الأسرة في هذا المسار يظل عنصرا حاسما لضمان استمرارية ما يلقن داخل المؤسسات التربوية.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حماية الذاكرة الثقافية من الذوبان، عبر مشاريع تربوية تعيد الاعتبار للثقافة المغربية كرافعة للتنشئة السليمة، فبناء مغرب الغد يبدأ من طفل يعرف من يكون، ويفتخر بثقافته، وينفتح على العالم بثقة ووعي.