يشهد قطاع الصحافة المغربية في السنوات الأخيرة تحولات كبيرة، سواء على مستوى المقاولات الإعلامية أو أوضاع الصحافيين، بفعل تحديات اقتصادية وتقنية واجتماعية مستمرة.
وفي هذا السياق، أصبح دعم الدولة للقطاع أداة محورية للحفاظ على استمرارية الإعلام وتعزيز دوره كسلطة رابعة، خصوصا بعد الأزمات الكبرى مثل جائحة كوفيد-19 التي أبرزت هشاشة بعض المقاولات الإعلامية وأثرت على استقرار الصحافيين.
وفي ضوء حصيلة دعم الصحافة لعام 2024، والتي بلغت حوالي 264 مليون درهم، حسب آخر تقرير أصدره المجلس الوطني لحقوق الانسان، يُطرح السؤال حول مدى قدرة هذه المنظومة على تعزيز استقلالية الإعلام وتحسين ظروف العمل المهني؟
ومن هذا المنطلق، تطرق عبد الكبير أخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، إلى أهم ملاحظات النقابة حول فعالية الدعم والإصلاحات الضرورية لضمان استمرار الإعلام الوطني في أداء رسالته المجتمعية والديمقراطية.
وأكد أخشيشن في تصريح خص به “بلبريس” أن الدعم المقدم للصحافة يعد حقا مشروعا، نظرا لما تقدمه الصحافة من خدمة عمومية للمجتمع، وما تضطلع به من أدوار أساسية في دعم البناء التنموي وتعزيز المسار الديمقراطي، مضيفا أن الصحافة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي مرفق ذو بعد عمومي يساهم في تنوير الرأي العام وترسيخ قيم الشفافية والمساءلة.
وأشار إلى أن أهمية هذا الدعم برزت بوضوح خلال أزمة كوفيد-19، حيث ساهم في الحفاظ على عدد من مناصب الشغل داخل القطاع، لكنه كشف في الوقت نفسه عن حجم الهشاشة التي يعيشها المجال الإعلامي، سواء على مستوى المقاولات الصحفية أو على مستوى الأوضاع المهنية والاجتماعية للصحافيين.
وأوضح المسؤول النقابي أن نظام الدعم المعمول به منذ سنة 2005 أصبح بحاجة إلى تقييم شامل وعميق، مؤكدا أن الهدف من هذا التقييم هو إعادة توظيف الدعم بما يساهم في بناء إعلام قوي وقادر على الاستمرار، ويؤسس لنموذج ناجح للمقاولة الصحفية يجمع بين الاستقلالية والاستدامة الاقتصادية، مضيفا أن جائحة كوفيد-19 عمقت الإشكالات القائمة وأبرزت الحاجة الملحة إلى إصلاح حقيقي لمنظومة الدعم، مع التأكيد على ضرورة أن يتحلى جميع الفاعلين بالوضوح والشفافية في تنزيل مرسوم الدعم وفق رؤية تشاركية بين الدولة والمهنيين.
وشدد على أن النقابة سبق أن طالبت في بيان لها بضرورة الالتزام بملاحظات المجلس الأعلى للحسابات، والتي تنص على ضرورة وجود طرف محايد من المهنيين في لجنة الدعم، وهو مطلب طالته النقابة منذ سنوات قبل أن يتم تجاهله، كما شددت النقابة على ربط الدعم باتفاقية جماعية يجب الحسم فيها قبل الشروع في الدعم، مع ضرورة تسريع هذه العملية.
وأكد رئيس النقابة أن المنظومة يجب أن تفتح المجال أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة للاستفادة من الدعم، شريطة احترام دفاتر تحملات واضحة تضمن الجودة المهنية وتحقيق التوازن والتنوع داخل المشهد الإعلامي، مشيرا إلى أن النظام الحالي ساهم أحيانا في سبات داخل المقاولات الإعلامية، وأن بعض الحالات شهدت هضم الحقوق المهنية والاجتماعية للصحافيين، وغموض المسار المهني وضعف آليات الترقي، مما يجعل من الضروري مراجعة هذا النظام لتحسين أوضاع الصحافيين وتعزيز استقرارهم المهني.
وخلص أخشيشن إلى أن إصلاح منظومة دعم الصحافة يجب أن يهدف ليس فقط إلى دعم المقاولات الإعلامية، بل أيضا إلى حماية الصحافيين وتطوير الممارسة المهنية، بما يعزز دور الإعلام في خدمة المجتمع والديمقراطية.