خبراء يبرزون تداعيات الحرب الإيرانية-الأمريكية على المغرب

يشهد الشرق الأوسط مرحلة مفصلية تتجاوز منطق التصعيد التقليدي، في ظل احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما يرافقها من انخراط إسرائيلي متزايد في معادلة الردع والضغط، ولم يعد المشهد محصورا في ضربات عسكرية متبادلة، بل أصبح يعكس نمطا جديدا من إدارة الصراع، تتداخل فيه التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى.

هذه المعادلة الجديدة لا تعيد فقط تشكيل توازنات القوى في المنطقة، بل تفتح الباب أمام تحولات أعمق قد تمس طبيعة النظام الإقليمي برمته، وتنعكس تداعياتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي.

في هذا السياق، يرى الخبير في العلاقات الدولية عصام لعروسي أن التحولات الراهنة تعكس ما أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في تحليلاته حول مستقبل المنطقة، كما تحيل إلى أطروحة “The Blood Borders” أو “حدود الدم”، التي تحدثت عن إعادة تشكيل المجال الجغرافي للشرق الأوسط بما يتماشى مع معطيات إثنية وطائفية جديدة، موضحا أن “حدود الدم” لا تعني بالضرورة تكرار سيناريوهات التقسيم الكلاسيكية التي رُسمت بالمسطرة، بل تشير إلى تحولات أعمق تمس البنية الديموغرافية والسياسية للمنطقة.

وأكد لعروسي من خلال مداخلته في برنامج “مع الحدث” الذي يبث على منصة “بلبريس”، أن ما كان يبدو مستحيلا قبل عقود أصبح اليوم واقعا ملموسا،  مشيرا إلى أن تغيرات كبرى طالت دولا مثل سوريا وقطاع قطاع غزة خلال فترة وجيزة، وهو ما يعكس تحولات استراتيجية عميقة وسريعة.

ولفت المتحدث إلى أن أبرز أبعاد هذه التحولات يتمثل في تغير مفهوم الحرب ذاته، موضحا أن العالم لم يعد أمام حروب تقليدية بجبهات واضحة، بل أمام حروب هجينة تجمع بين القوة العسكرية والضغط النفسي والإعلامي والتكنولوجي.

واستحضر الخبير في العلاقات الدولية،  أفكار القائد العسكري الصيني سون تزو حول الحرب النفسية، معتبرا أن ما يجري اليوم هو تجسيد عملي لهذا النمط من الصراعات المركبة.

أما بشأن توقيت الضربات، فطرح لعروسي سؤال “لماذا الآن؟”، مرجحا أن يكون السبب مرتبطا بحالة التأزم الداخلي في إيران بعد موجات الاحتجاج الأخيرة، معتبرا أن الضغوط الخارجية قد تتكامل مع الأزمات الداخلية لتسريع مسار التغيير، وإن كانت الضربات توصف أحيانا بأنها موضعية لتقليل الخسائر، فإن الواقع يؤكد وقوع مآسٍ إنسانية مؤلمة.

من جهته، يرى عباس الوردي، أستاذ التعليم العالي بجامعة جامعة محمد الخامس بالرباط، أن نهاية الدور الإيراني في هذا الصراع ستكون لها انعكاسات مباشرة على حلفائه الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم الجزائر، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، معتبرا أن المغرب قد يجد نفسه في موقع أكثر استقرارا، بما يتيح له استثمار التحولات الجارية لصالحه.

وأوضح الوردي ضمن نفس البرنامج أن ما وصفه بـ“نهاية محور الشر” لا يعني أن المغرب كان مهددا بشكل مباشر، رغم صدور بعض التصريحات العدائية في فترات سابقة، من طرف إيران  لكنه شدد على أن قوة الدولة المغربية ومؤسساتها الدفاعية شكلت عامل ردع حاسما، مؤكدا أن أي محاولة للضغط المباشر لن تنجح في زعزعة استقرار المملكة.

وفي السياق ذاته، قدم الدكتور ميلود بلقاضي، المحلل السياسي، قراءة تعتبر أن الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية ليست حدثا عسكريا عابرا، بل زلزالا جيوسياسيا سيعيد ترتيب موازين القوى في المنطقة ويترك أثرا عميقا على الاقتصاد العالمي والنظام الدولي.

غير أنه رجح أن هذه الحرب لن تطول لأسباب اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة، معتبرا أن كلفتها المرتفعة ستدفع الأطراف إلى البحث عن مخرج سياسي في مرحلة ما.

وأشار بلقاضي إلى أن المغرب اتخذ منذ البداية موقفا وصفه بالمشرف، من خلال إدانة الحرب والتأكيد، عبر بلاغ الديوان الملكي، على التضامن مع الدول الخليجية دون استثناء مضيفا أن المملكة وضعت وزنها الدبلوماسي في خدمة الاستقرار الإقليمي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، ما يؤهلها للعب دور وساطة محتمل في حال توفرت شروط الحوار.

وأكد بلقاضي أن طبيعة النظام الملكي المغربي تمنح البلاد هامشا واسعا للتحرك الدبلوماسي، مشيرا إلى أن هذا الدور قد يسهم في تخفيف التوتر وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المتنازعة، بما يخدم مصالح المنطقة ويحفظ في الوقت ذاته المصالح الاستراتيجية للمغرب.

في المحصلة، تتقاطع قراءات الخبراء عند قناعة مفادها أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتغير فيها طبيعة الحروب، وتعاد صياغة التحالفات، وتختبر قدرة الدول على التكيف مع نظام دولي سريع التحول. وبين “حدود الدم” وزلازل الجغرافيا السياسية، يظل السؤال مفتوحا حول شكل المنطقة في السنوات القادمة، وحول موقع الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم المغرب، في خريطة ما بعد التحولات الكبرى.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *