كشف عز الدين المداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عن توجه حكومي لإعادة هيكلة منظومة التعليم العالي بالمغرب، من خلال مراجعة الخريطة الجامعية والرفع من عدد الجامعات العمومية من 12 إلى 27 جامعة، إلى جانب إحداث مؤسسات جامعية جديدة، بهدف تقليص الفوارق المجالية ومعالجة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها القطاع.
وأكد المداوي، في جلسة الأسئلة الشفهية اليوم الاثنين بمجلس النواب، أن تحقيق العدالة المجالية في التعليم العالي ليس ورشاً جديداً، بل يندرج ضمن استمرارية السياسات العمومية والأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقها الملك محمد السادس، لا سيما ما يتعلق بالجهوية المتقدمة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
وأوضح الوزير أن التشخيص الذي أجرته الوزارة كشف عن مجموعة من الاختلالات، في مقدمتها التوزيع الترابي غير المتوازن للمؤسسات الجامعية، والضغط البيداغوجي والإداري والمالي، فضلاً عن وجود مؤسسات وتخصصات متشابهة لا تستجيب دائماً للأولويات الاقتصادية والتنموية على المستويات الجهوية والوطنية والدولية.
وفي أرقام وصفها بالمقلقة، كشف ميداوي أن نحو نصف الطلبة يغادرون الدراسة خلال السنة الجامعية الأولى، فيما تتجاوز نسبة البطالة في صفوف خريجي الإجازة 20 في المائة، معتبراً أن هذه المؤشرات تعكس ضعف المردودية الداخلية والخارجية لمنظومة التعليم العالي، وتستدعي مراجعة عميقة لطبيعة التكوينات الجامعية ومدى ارتباطها بسوق الشغل.
وحذر المسؤول الحكومي من الارتفاع المرتقب في أعداد الطلبة خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن التوقعات تفيد بزيادة تناهز 35 في المائة في أفق سنة 2030، وهو ما قد يرفع عدد الطلبة في بعض الجامعات إلى نحو 200 ألف طالب، في حال استمرار الوضع الحالي دون إصلاحات هيكلية.
وفي السياق ذاته، سجل الوزير أن أكثر من 37 إقليماً لا تتوفر على أي مؤسسة للتعليم العالي، في وقت تتركز فيه المؤسسات الجامعية في عدد محدود من الأقاليم والحواضر الكبرى، الأمر الذي يفاقم الفوارق المجالية ويضاعف الأعباء المالية والاجتماعية على الأسر، خصوصاً في المناطق القروية والنائية.
وفي معرض حديثه عن مشروع الخريطة الجامعية الجديدة، أوضح ميداوي أن المغرب يتوفر حالياً على 12 جامعة عمومية، بمعدل يقارب 95 ألف طالب لكل جامعة، وهو رقم مرتفع مقارنة بعدد من التجارب الدولية، مشيراً إلى أن المشروع الجديد يستهدف إحداث 27 جامعة عمومية موزعة على مختلف جهات المملكة، بما فيها مناطق لا تتوفر حالياً على جامعات مستقلة، من قبيل الداخلة والعيون وكلميم والرشيدية.
وأضاف أن التصور الجديد يستند إلى معيار يقل عن 40 ألف طالب لكل جامعة، بهدف تحسين ظروف التأطير والتكوين والبحث العلمي، وتخفيف الضغط على المؤسسات الجامعية الكبرى.
وأشار الوزير إلى أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أبدى رأياً إيجابياً بشأن مشروع مراجعة الخريطة الجامعية، مع تسجيل ملاحظات أساسية تتعلق بالحكامة والتكلفة المالية، مؤكداً أن الوزارة تعمل بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية وباقي القطاعات الحكومية المعنية لضمان التنزيل التدريجي لهذا الورش.
وفي ما يتعلق بالمؤسسات الجامعية، أعلن ميداوي عن إحداث 66 مؤسسة جديدة، منها 46 مؤسسة ناتجة عن تقسيم مؤسسات جامعية كبرى، و20 مؤسسة من الجيل الجديد، إلى جانب 17 مؤسسة أخرى توجد في طور استكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية.
وأوضح أن عملية التقسيم تستهدف بالخصوص كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وكليات الآداب والعلوم الإنسانية، والكليات متعددة التخصصات، التي أصبح بعضها يستقبل أعداداً من الطلبة تضاهي أعداد المسجلين في جامعات بأكملها.
وشدد الوزير على أن هذا التوجه لا يقوم على تقسيم عشوائي للمؤسسات، وإنما يستند إلى معايير علمية وبيداغوجية ومجالية، تراعي خصوصيات كل جهة وحاجياتها الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن متطلبات سوق الشغل والتحولات المهنية الدولية.
وكشف المسؤول الحكومي عن توجه لإحداث نحو 50 مؤسسة جامعية إضافية من الجيل الجديد في أفق سنة 2030، باستثمارات مرتقبة تناهز ملياري درهم، موضحاً أن هذه المؤسسات ستقدم تكوينات مرتبطة بالمهن المستقبلية والتخصصات ذات القيمة المضافة.
ومن بين المجالات التي أشار إليها الوزير، الأمن السيبراني والذكاء المرتبط بالتقنيات الحديثة وتدبير الموارد المائية والطاقات الخضراء والاقتصاد القياسي والمهن القضائية واللغات والحضارات والأنثروبولوجيا والفلسفة، بما يسمح بتنويع العرض الجامعي والاستجابة للتحولات الاقتصادية والعلمية.
وفي جانب الحكامة، أبرز المداوي أن القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي يوفر إطاراً لإعادة تنظيم الجامعات وتطوير آليات تدبيرها، بما في ذلك إحداث مجالس للأمناء تتولى أدواراً استراتيجية مرتبطة باستمرارية السياسات العمومية والتقييم والتوجيه وتعزيز الاندماج الترابي للجامعات.
كما تحدث عن منح المؤسسات الجامعية إمكانيات جديدة لإحداث أقطاب جامعية واعتماد آليات تدبير أكثر مرونة، بما يتيح تسريع المشاريع وتشجيع الابتكار وتحسين الأداء المؤسساتي.
وأكد الوزير أن تقريب المؤسسات الجامعية من المواطنين من شأنه تخفيف تكاليف الدراسة المرتبطة بالنقل والسكن، وتعزيز ولوج الفتيات والفئات الهشة، خصوصاً في العالم القروي، إلى التعليم العالي، فضلاً عن تحسين فرص الإدماج المهني وجاذبية الجهات للاستثمار.
واعتبر أن توفر الجهات على كفاءات بشرية مؤهلة يشكل عاملاً حاسماً في استقطاب الاستثمارات، مشدداً على ضرورة تجاوز التمركز التقليدي للموارد البشرية والمؤسسات الجامعية في الرباط والدار البيضاء والمدن الكبرى.
وخلص المداوي إلى أن إصلاح منظومة التعليم العالي لا يقتصر على توسيع البنيات الجامعية أو إحداث مؤسسات جديدة، بل يقوم على رؤية شمولية تشمل التكوين والبحث العلمي والابتكار والحياة الطلابية والحكامة، بهدف بناء جامعة أكثر إنصافاً ونجاعة، وقادرة على مواكبة التنمية الجهوية والوطنية والانفتاح على التحولات الدولية.