البلاغان الملكيان بشأن المينورسو وتحصين المنطقة من التقاطب الأمريكي الروسي

لم يعد من الممكن مقاربة قضية الصحراء المغربية باعتبارها مجرد نزاع مغربي جزائري، أو حصرها في أبعادها التاريخية والقانونية والسياسية، على الرغم من أهمية هذه الأبعاد في فهم جذورها ومساراتها. فقد أصبحت التحولات التي يشهدها النظام الدولي تفرض قراءة أكثر اتساعًا للملف، تستحضر طبيعة التنافس بين القوى الكبرى، وما يترتب عنه من تأثيرات على القضايا الإقليمية. وفي هذا السياق، يكتسب البلاغان الملكين الصادرين يومي 30 أكتوبر و4 نونبر 2026 أهمية خاصة، ليس فقط من حيث مضمونهما السياسيين، وإنما أيضًا من زاوية ما يعكسان من وعي بطبيعة المرحلة التي تمر بها القضية الوطنية، وما تفرضه من تحديات على الدبلوماسية المغربية.

إن ما جرى داخل مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية. فالعالم اليوم يعيش مرحلة تتراجع فيها فرص التوافق بين القوى الكبرى، وتتسع فيها مساحات الخلاف حول قضايا النفوذ والأمن والمصالح الاستراتيجية. ولم تعد المؤسسات الدولية، رغم أهميتها، قادرة دائمًا على تجاوز هذه التناقضات أو إنتاج حلول تحظى بالقبول الضروري من مختلف الأطراف. ونتيجة لذلك، أصبحت بعض الملفات الإقليمية أكثر عرضة لتأثيرات الصراعات الدولية، حتى عندما لا تكون الدول المعنية بها طرفًا مباشرًا في تلك الصراعات.

وقد أظهرت جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 30 أكتوبر جانبًا من هذه الحقيقة. فالمشروع الأمريكي الداعم للمقترح المغربي حصل على تأييد أحد عشر عضوًا، لكنه لم يتمكن من المرور بسبب استخدام روسيا حق النقض. وفي المقابل، لم يحظ المشروع الروسي بالقبول، لتنتهي الجلسة دون تمديد ولاية بعثة المينورسو. وبصرف النظر عن المواقف السياسية التي رافقت هذه النتيجة، فإن دلالتها الأساسية تتجاوز مسألة التصويت في حد ذاتها، لتكشف عن مدى ارتباط بعض الملفات الإقليمية بحسابات القوى الكبرى داخل المؤسسات الدولية.

وهنا تبرز مسألة التقاطب الأمريكي الروسي باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم ما يجري. فالمغرب ليس طرفًا في المواجهة المباشرة بين واشنطن وموسكو، كما أن قضية الصحراء المغربية لا ينبغي أن تختزل في إطار هذا التنافس. غير أن تجاهل تأثيراته سيكون بدوره قراءة غير مكتملة للواقع الدولي. فحين تتعارض مصالح القوى الكبرى، قد تجد الملفات الإقليمية نفسها محاصرة بحسابات تتجاوز الأطراف المعنية بها، وتصبح نتائجها مرتبطة باعتبارات لا تنسجم بالضرورة مع متطلبات التسوية أو الاستقرار.

ولعل الإشكال الأعمق في هذه الوضعية يكمن في احتمال تحول القضية الوطنية إلى ورقة ضمن صراع دولي أوسع. فالتنافس بين القوى الكبرى لا يتوقف عند حدود الخلاف السياسي، بل قد يمتد إلى توظيف الملفات الإقليمية في إطار المساومات الاستراتيجية. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين المواقف المعلنة والمصالح التي تحكمها، وهو ما يفرض على الدول المعنية قدرًا أكبر من الحذر في إدارة علاقاتها الخارجية.

بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بالتشكيك في أهمية الدعم الدولي الذي يحظى به موقفه، ولا بالتقليل من قيمة العلاقات الاستراتيجية التي تربطه بشركائه، وإنما بإدراك أن هذه العلاقات تظل محكومة، في نهاية المطاف، بطبيعة المصالح المتغيرة. فالدول لا تتحرك دائمًا وفق اعتبارات ثابتة، وقد تعيد ترتيب أولوياتها كلما تغيرت الظروف الدولية. ومن ثم، فإن التعويل على موقف دولة بعينها، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يشكل وحده ضمانة كافية لاستمرار المكاسب الدبلوماسية.

إن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية المغربية لا يكمن في الحصول على الدعم الدولي فحسب، بل في كيفية الحفاظ عليه وتوظيفه دون الوقوع في حسابات الاستقطاب. فالدولة التي تسعى إلى حماية مصالحها الوطنية تحتاج إلى أن تميز بين التحالفات التي تخدم أهدافها الاستراتيجية وبين الاصطفافات التي قد تفرض عليها خيارات لا تنسجم بالضرورة مع أولوياتها. وهذا التمييز يصبح أكثر أهمية في مرحلة تتسم بتراجع الثقة بين القوى الكبرى، وتزايد صعوبة بناء توافقات دولية مستقرة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تسلسل البلاغين الملكيين الصادرين يومي 30 أكتوبر و4 نونبر باعتباره مؤشرًا على أهمية الانتقال من متابعة التطورات الدولية إلى التفكير في تداعياتها العملية. فالبلاغ الأول جاء في أعقاب جلسة مجلس الأمن، في سياق يقتضي توضيح الموقف المغربي من المستجدات التي عرفها الملف. أما البلاغ الثاني، المرتبط بترؤس الملك جلسة عمل لمتابعة المرحلة التي أعقبت انتهاء مهام المينورسو، فيوحي بأن التعامل مع هذه التطورات لم يقتصر على تسجيل الموقف السياسي، وإنما امتد إلى البحث في كيفية تدبير المرحلة الجديدة.

وأعتقد أن هذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا، لأن الدبلوماسية لا تقاس فقط بقدرتها على التفاعل مع الأحداث، وإنما أيضًا بمدى استعدادها لاستشراف ما قد ينتج عنها من تحولات. فبعض القرارات التي تبدو، في ظاهرها، مجرد خلاف داخل مؤسسة دولية، قد تحمل في عمقها مؤشرات على تغير موازين القوى أو على صعوبة التوصل إلى تفاهمات بشأن ملفات محددة. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه التطورات يحتاج إلى قراءة تتجاوز اللحظة السياسية المباشرة، وتستحضر ما يمكن أن تفرضه على المدى المتوسط والبعيد.

ولا يعني ذلك أن المغرب مطالب بالابتعاد عن الولايات المتحدة أو إعادة النظر في علاقاته الاستراتيجية معها، بقدر ما يعني أن قوة هذه العلاقات ينبغي أن تقترن بقدرة على الحفاظ على هامش مستقل للحركة الدبلوماسية. فالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن لا تستوجب الدخول في مواجهة مع موسكو، كما أن الخلافات داخل مجلس الأمن لا ينبغي أن تتحول إلى معيار وحيد لتحديد طبيعة العلاقات المغربية مع بقية القوى الدولية.

إن منطق المصالح الوطنية يقتضي التعامل مع مختلف الأطراف وفق ما تسمح به طبيعة العلاقات وما تفرضه الثوابت المغربية. فالمغرب يحتاج إلى علاقات متوازنة ومتنوعة، تتيح له الاستفادة من الفرص التي يوفرها التعاون الدولي، دون أن يجد نفسه محاصرًا داخل اصطفافات قد تتغير موازينها في أي لحظة. وقد يبدو هذا الخيار أكثر تعقيدًا من الانحياز الواضح إلى أحد الأطراف، لكنه يظل أكثر انسجامًا مع متطلبات دولة تسعى إلى حماية استقلال قرارها في بيئة دولية متقلبة.

وهنا تبرز أهمية مفهوم استقلال القرار المغربي، الذي لا ينبغي فهمه باعتباره مجرد شعار سياسي، وإنما باعتباره شرطًا أساسيًا لممارسة الدبلوماسية بصورة فعالة. فالدولة القوية ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من الحلفاء، بل تلك التي تستطيع الحفاظ على حرية الاختيار عندما تتعارض مصالح شركائها. وقد يكون التوازن في العلاقات الدولية أكثر صعوبة من الاصطفاف، لكنه يمنح الدول قدرة أكبر على التعامل مع التحولات دون أن تصبح رهينة لها.

غير أن الحفاظ على هذا الهامش من الاستقلال لا يتحقق بمجرد إعلان المواقف، بل يحتاج إلى دبلوماسية نشطة، وإلى تنويع الشراكات، وتعزيز الحضور المغربي في مختلف الفضاءات الدولية. فالتنافس بين القوى الكبرى لا يقتصر على مجلس الأمن، وإنما يمتد إلى مناطق النفوذ والملفات الاقتصادية والأمنية والإقليمية. وقد تجد الدول نفسها أمام ضغوط متعددة تدفعها إلى مراجعة بعض خياراتها، وهو ما يجعل المرونة الدبلوماسية ضرورة، شريطة ألا تتحول إلى تنازل عن الثوابت الوطنية.

وفي هذا السياق، ينبغي التعامل مع مسألة انتهاء مهام المينورسو بقدر كبير من الواقعية. فعدم تمديد ولاية البعثة لا يعني بالضرورة نهاية النزاع حول الصحراء المغربية، كما لا يترتب عنه تلقائيًا إغلاق الملف داخل الأمم المتحدة. فالقضية ما تزال مرتبطة بمواقف أطراف متعددة، وبمسار سياسي لم يصل بعد إلى نهايته. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تطرح أسئلة جديدة بشأن طبيعة تدبير الملف، وآليات الحفاظ على الاستقرار، وكيفية التعامل مع التحولات التي قد تعرفها مواقف الأطراف المعنية.

وإذا كانت التطورات الأخيرة قد كشفت عن محدودية التوافق داخل مجلس الأمن، فإنها تبرز في الوقت نفسه الحاجة إلى استمرار العمل الدبلوماسي، وعدم التعامل مع المستجدات باعتبارها نتائج نهائية. فالمغرب مطالب بالحفاظ على مكاسبه السياسية، وتعزيز الثقة مع شركائه الدوليين، ومواصلة الدفاع عن موقفه في مختلف المحافل. كما أن أي تحول في طبيعة النزاع ينبغي أن يُقرأ ضمن سياقه الكامل، بعيدًا عن التسرع في استخلاص النتائج أو المبالغة في تقدير آثار حدث معين.

ولا يمكن فصل هذه التحديات عن الوضع العام في المنطقة المغاربية، حيث ما تزال العلاقات المغربية الجزائرية تعاني من خلافات عميقة، انعكست بصورة مباشرة على فرص التعاون الإقليمي. وقد أصبح هذا التوتر أحد العوامل التي تحد من قدرة المنطقة على التعامل مع التحولات الدولية بصورة جماعية. وفي ظل استمرار التنافس بين القوى الكبرى، تزداد مخاطر تحول الخلافات الإقليمية إلى امتداد لصراعات خارجية، وهو ما قد يضاعف تعقيد الوضع ويضعف فرص الاستقرار.

والواقع أن المنطقة المغاربية تدفع ثمنًا متزايدًا لاستمرار القطيعة السياسية. فالتحديات المرتبطة بالأمن والتنمية والاقتصاد والهجرة لا يمكن التعامل معها بفعالية في غياب حد أدنى من التنسيق بين دول المنطقة. كما أن استمرار الخلافات يحد من قدرتها على بناء موقع إقليمي مستقل، ويجعلها أكثر عرضة لتأثيرات التنافس الدولي. ولا يتعلق الأمر هنا بتجاهل الخلافات القائمة أو التقليل من أهميتها، وإنما بإدراك أن استمرار التوتر لا يخدم مصالح المنطقة على المدى البعيد.

ومن هذا المنطلق، يظل الحوار المغاربي ضرورة استراتيجية، حتى وإن كانت شروطه السياسية تبدو معقدة في الوقت الراهن. فالدول التي تعيش في محيط إقليمي مضطرب تحتاج إلى قدر أكبر من التعاون لمواجهة التحديات المشتركة، خصوصًا عندما تتراجع قدرتها على التأثير في التحولات الدولية. ولا يمكن النظر إلى استقرار المنطقة باعتباره مصلحة مغربية أو جزائرية منفصلة، بل باعتباره ضرورة إقليمية تفرضها طبيعة المرحلة.

وبالعودة إلى البلاغين الملكيين، فإن أهميتهما لا تكمن فقط في ارتباطهما بتطورات قضية الصحراء المغربية، وإنما أيضًا في ما يعكسانه من حرص على تدبير المرحلة الجديدة ضمن رؤية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الدولية. فالمغرب لا يسعى إلى تعزيز موقعه في القضية الوطنية فحسب، بل يواجه أيضًا تحديًا يتمثل في حماية هذا الموقع من تأثيرات الاستقطاب الدولي، دون التفريط في علاقاته الاستراتيجية أو الانغلاق على محيطه الدبلوماسي.

ولعل الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذه التطورات هو أن المكاسب الدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول إلى ضمانات دائمة إلا إذا كانت مدعومة برؤية استراتيجية قادرة على استيعاب المتغيرات الدولية. فالدول لا تستطيع التحكم في جميع الظروف المحيطة بها، لكنها تستطيع أن تحدد كيفية التعامل معها، وأن تحافظ على مصالحها من خلال قراءة دقيقة لموازين القوى وتطوراتها.

إن البلاغين الملكيين لا يعكسان نهاية الاستقطاب الأمريكي الروسي، ولا يقدمان بالضرورة تصورًا لحل هذا التنافس الذي سيظل حاضرًا في العلاقات الدولية خلال المرحلة المقبلة. لكنهما يفتحان المجال أمام قراءة أعمق لما قد يفرضه هذا الاستقطاب على القضية الوطنية، ويعيدان التأكيد على أهمية تحصين القرار المغربي من تداعياته. فالمغرب ليس مطالبًا بالابتعاد عن القوى الكبرى، وإنما بإدارة علاقاته معها بما يضمن له حرية الحركة واستقلال الموقف.

وفي تقديري، فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بالحفاظ على المكاسب الدبلوماسية التي تحققت، بل بتحويلها إلى مسار سياسي مستدام يضمن حماية السيادة الوطنية ويأخذ بعين الاعتبار متطلبات الاستقرار الإقليمي. فالتحدي لا يكمن في اختيار موقع داخل صراع القوى الكبرى، وإنما في تجنب أن تتحول القضية الوطنية إلى جزء من حسابات هذا الصراع.

وهذا ما يجعل استقلال القرار المغربي أكثر من مجرد خيار دبلوماسي؛ إنه ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة. فالمغرب مطالب بأن يستفيد من التحولات الدولية دون أن يصبح أسيرًا لها، وأن يحافظ على خصوصية القضية الوطنية بعيدًا عن التجاذبات التي قد تتغير حساباتها بتغير المصالح والتحالفات. وفي عالم تتبدل فيه موازين القوى باستمرار، تظل قدرة الدولة على حماية مصالحها وتحديد خياراتها بوعي واستقلالية أحد أهم مقومات قوتها ومصداقية سياستها الخارجية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *