في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة على الساحة الدولية، ودخول ملف الصحراء المغربية منعطفا استثنائيا وحاسما، وجد مجلس الأمن الدولي نفسه أمام مشهد غير مسبوق إثر فشله في اعتماد مشروع القرار الأمريكي، محكوما بتناقضات الاستقطاب الحاد وتصاعد الصراع الدبلوماسي بين القوى العظمى.
هذا المخاض الأممي، الذي انطوى على استخدام موسكو لحق الفيتو لأول مرة في هذا الملف وإسقاط مشروع قرار بديل أفرز تداعيات قانونية وسياسية عميقة حول مستقبل البعثة الأممية برمتها.
وفي الوقت الذي أظهر فيه مجلس الأمن عجزا عن التوافق، نجح المغرب في ترسيخ مكتسباته الدبلوماسية والقانونية مستندا إلى قوة المرجعية المعيارية للقرارات الأممية السابقة، ليأتي بلاغ الديوان الملكي بلغة حازمة، قوية كخارطة طريق استراتيجية تطوي عقودا من الانتظار والتسويف، وتعلن بثبات نهاية مرحلة وبداية عهد جديد ينهي الوصاية الأممية على نزاع حسمه الواقع الميداني وتدعم سيادته شرعية المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور حسن بلوان، الباحث في العلاقات الدولية، أن فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروع القرار الأمريكي حول الصحراء جاء بسبب الفيتو الروسي الذي تبنته موسكو لأول مرة في هذا الملف، مشيرا إلى أن موسكو تقدمت بمشروع قرار بديل أسقط بدوره ولم ينل حتى العتبة الأممية باكتفائه بـ 3 أصوات فقط، مقابل امتناع 11 عضوا وفيتو أمريكي.
وأوضح الباحث في العلاقات الدولية من خلال تصريح خص به جريدة “بلبريس” أن الموقف الروسي المفاجئ خلف مجموعة من التداعيات الدبلوماسية والسياسية والقانونية على الملف ومستقبل البعثة الأممية، في إطار صراع وتنافس واضح بين واشنطن وموسكو في مجموعة من الملفات الإقليمية والقضايا الدولية الأخرى.
وأوضح حسن بلوان أن روسيا بررت موقفها برفض التدبير الأحادى الأمريكي للملف بعيدا عن حسابات أو مواقف ضد الرباط، غير أن هذا الموقف الأخير لا يعكس التطور الإيجابي الذي عرفته العلاقات المغربية الروسية؛ إذ لا شك أن موسكو حاولت الموازنة بين مصالحها في الرباط والجزائر التي ضغطت بقوة من أجل عرقلة المشروع الأمريكي وهددت عبر صنيعتها البوليساريو بالانسحاب من المفاوضات.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن المغرب لم يحز الإجماع المنشود وتم إسقاط المشروع الأمريكي، إلا أنه ربح أغلبية كبيرة داخل مجلس الأمن 11 صوتا وامتناع 3 تناصر سيادته ومشروعية مطالبه بشكل واضح ومباشر، وفي المقابل لم يحز مشروع القرار الروسي، الذي دفعت به الجزائر إلا على 3 أصوات وامتناع 11 عضوا بغض النظر عن الرفض الأمريكي.
وأكد بلوان أن التنافس الأمريكي الروسي والاستقطاب الحاد بينهما داخل مجلس الأمن سيخلف تداعيات قانونية حول مسار الملف ومستقبل البعثة الأممية، لكن دون الخروج عن المرجعية المعيارية التي أحدثها القرار الأممي رقم 2797/25 باعتباره آخر قرار حول الملف يتمتع بالصيغة القانونية التنفيذية، والذي يضمن للمغرب موقعا قويا ومتقدما في تدبير الملف، بعيدا عن الفراغ القانوني الذي يمكن أن يخلفه عدم التجديد لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء.
وأضاف حسن بلوان أنه انطلاقا من القوة القانونية التي حازها المغرب، أصبح مجلس الأمن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب إلى صيغة “التمديد التقني” في انتظار توافق أمريكي روسي وهذا مستبعد بحكم ضيق الوقت والخلاف بين الجانبين، أو اعتبار عدم التجديد لبعثة الأمم المتحدة إنهاء غير مباشر لمهامها في الصحراء المغربية ودخولها مرحلة “الموت السريري” لعدم حيازتها الإطار القانوني الذي يخول لها صك الانتداب وتحديد المهام ومصادر التمويل.
وأشار الباحث في العلاقات الدولية إلى أن قضية الصحراء دخلت الآن منعطفا حاسما وشديد الحساسية مع بلاغ الديوان الملكي القوي في لغته الواضحة؛ فالمغرب، إذ يتأسف لعدم تمكن مجلس الأمن من الإجماع على اتخاذ قرار ينسجم مع الدينامية التي يعرفها ملف الوحدة الترابية، فهو يرحب في نفس الوقت بإنهاء مهام البعثة الأممية التي فرضت في سياق عفا عليه الزمن، لذلك فوجودها يجب أن ينتهي خلال الأيام القادمة، وهو ما ينسجم مع أصوات من داخل مجلس الأمن تدعو لانسحاب تدريجي لهذه البعثة.
وأضاف أن اللغة الحازمة التي تبناها بلاغ الديوان الملكي تشكل خارطة طريق جديدة وواضحة المعالم تنهي عقودا من التسويف والانتظار، وتطوي سنوات من فشل المسارات الأممية بسبب التعنت الجزائري، وذلك من خلال الدعوة إلى سحب الملف من أروقة مجلس الأمن وباقي الهيئات الأخرى التابعة للأمم المتحدة.
وأوضح حسن بلوان أن بلاغ الديوان الملكي حاسم وقوي وتبنى لغة جديدة يحمل الجزائر والبوليساريو مسؤولية تعثر المسار الأممي، مؤكدا أن المغرب لن ينتظر سنوات أخرى لحسم هذا النزاع بصفة نهائية، مع استمرار التشبت بالتسوية السلمية سواء عبر المشاورات الثنائية أو متعددة الأطراف و التشديد بالالتزام التام بوقف إطلاق النار شريطة سلامة الأراضي المغربية وأمن وطمأنينة المواطنين المغاربة خاصة في الأقاليم الجنوبية.
خلص الباحث في العلاقات الدولية الى ان مجلس الأمن أضاع فرصة ثمينة لطي النزاع وفق مسار أممي بسبب الموقف الروسي المخيب للآمال، بينما فوت بلاغ الديوان الملكي على أبواق النظام الجزائري حتى فرصة الاحتفاء المؤقت بنصر مزعوم لا يغير من مبادئ القرار 2797 شيئا ولا يمكن أن يؤثر على الدينامية التي دخلها الملف ونال فيها المغرب تأييد المنتظم والمجتمع الدوليين.