أخيراً، تنفس المغارب الصعداء بعد صدور القرار الذي طال انتظاره بإلغاء الساعة الإضافية، لكن الكثير من التساؤلات حامت حول هذه الخطوة، من قبيل ما إن كانت نتيجة عوامل انتخابية صرفة، أم انها تأتي تجاوبا مع الضغط الذي مارسه الشارع.
وفي هذا السياق، أكد عبد الصمد حيكر عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية في تصريح خص به موقع بلبريبس، أن هذا القرار، ورغم أنه لا يمكن إلا أن يُستقبل بإيجابية شعبية واسعة نظراً للعبء النفسي والاجتماعي الذي شكله على مدى سنوات، إلا أن توقيته المفاجئ يفتح الباب على مصراعيه أمام قراءة سياسية مغايرة، تكشف الخبايا والرهانات الانتخابية التي تحكمت في طبخه داخل مطبخ الأغلبية الحكومية.
وحول خلفيات القرار، شدد حيكر على أن المتأمل في مسار هذا الملف يدرك بيسر أن خطوة الحكومة لم تكن وليدة صحوة ضمير تدبيرية مفاجئة، بل هي خطوة محكومة بامتياز برهانات سياسية حزبية ضيقة من طرف مكونات التحالف الحكومي عموماً، ومن قِبل رئيس الحكومة شخصياً.
وأوضح عضو المجموعة النيابية لـ”لمصباح” أن هذا الموضوع سال فيه مداد كثير منذ مستهل الولاية التشريعية الحالية (2021-2022)، وكان في كل مرة يطرح فيها السؤال على الحكومة، وخصوصاً في السنة الأخيرة، تأتي الإجابات ملتوية وضبابية.
مضياف أن الحكومة أمطرتنا بوابل من التعهدات والوعود والالتزامات الشفوية بإلغائها، بل إن مسؤولين كانوا يصرحون منذ سنة 2022 بأن مسألة الحذف هي “مسألة أيام فقط”. لكن الحقيقة المرة، يقول حيكر، هي أن مكونات الأغلبية لم تكن تملك الجرأة السياسية الكافية لاتخاذ هذا القرار الشجاع في وقته، وظلت تماطل وتراوغ حتى أزف ميعاد الاستحقاقات الانتخابية وصارت الصناديق على الأبواب.
وشدد حيكر على أن الخيط الناظم والسبب المباشر وراء هذا التحرك الفجائي يعود بالأساس إلى الخروج الإعلامي الحاسم لحزب العدالة والتنمية في شخص أمينه العام، عبد الإله بنكيران، خلال إحدى الندوات الصحفية الأخيرة، حيث صرح بشكل قاطع وبدون لغة خشب: “إذا جينا حنا اللوالا وترأسنا الحكومة، نتعهد بحذف وإلغاء هذه الساعة الإضافية”. وزاد مؤكداً أن كل الأهداف الاقتصادية والطاقية التي كانت تبرر بها الحكومات السابقة هذه الزيادة تبين أنها غير صحيحة، وأنها ساعة لا تناسب المغاربة ولا تخدم مصالحهم.
وجزم المتحدث ذاته، بأن هذا الالتزام الصريح والواضح وضع حزب رئيس الحكومة ومكونات التحالف الأغلبي أمام المرآة وفي موقف محرج للغاية؛ وأمام استشعارهم لخطر فقدان المزيد من النقاط السياسية والانتخابية، وتحسباً لترجمة هذا التعهد الشجاع إلى أصوات انتخابية كاسحة لصالح “المصباح”، سارعت الحكومة الحالية إلى تبني القرار على عجل وبشكل استباقي في محاولة مكشوفة لقطع الطريق على العدالة والتنمية، والظهور بمظهر المستجيب للمطالب الشعبية.
واعتبر عبد الصمد حيكر أن هذا النوع من التدبير الترقيعي أو ما يمكن وصفه بـ “البريكولاج” السياسي لن يضمن للحزب الذي يرأس الحكومة ولا لحلفائه الفوز في الانتخابات المقبلة، لأن وعي المواطن المغربي استوعب جيداً الدرس. فقد أدرك المغاربة أننا أمام حكومة فاشلة بامتياز، أسست لمنطق “التفرقيش في التدبير” (نمذجة التفرقيش) وتحويل السياسات العمومية إلى نموذج لتقسيم الغنائم والمنافع، بعيداً كل البعد عن هموم المواطنات والمواطنين وعن الوفاء الحقيقي بالالتزامات.
وخلص حيكر إلى التأكيد على أن الأصوات الانتخابية التي سيحصدها حزب المصباح في الاستحقاقات القادمة ليست رهينة بملف معزول كالساعة الإضافية، بل هي نتاج مقارنة واعية يجريها المغاربة اليوم بين نموذجين بشريين وأخلاقيين ونموذجين من الكفاءة في تدبير الشأن العام الوطني والشأن العام الترابي. لقد تيقن المواطن أن العدالة والتنمية هي “ماركة مسجلة” في الصدق والالتزام والكفاءة الحقيقية، ولا يمكن للماركات المقلدة -ومهما حاولت محاكاتها وخاصة الحزب الذي يقوده رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش- أن تسلبها هذه المكانة عبر قرارات اللحظات الأخيرة.
الكيحل يعتبر أن من يراهن على الساعة في جلب أصوات الناخبين.. رهان لا يرقى إلى مستوى الممارسة السياسية السليمة
من جانبه اعتبر المستشار البرلماني عبد القادر الكيحل، في تصريح خص به موقع “بلبريس أن التوفيق بين المتطلبات التدبيرية والراحة النفسية للمواطن يظل المحك الحقيقي لمدى استجابة السياسات العمومية لانتظارات الشارع المغربي الحقيقية، موضحا أن مواقف هذا الإجراء تتأرجح بين ضرورات التنافسية الاقتصادية، لا سيما في الشراكة الاستراتيجية التي تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي، وبين الكلفة النفسية والاجتماعية التي يتكبدها المواطن جراء التغيير المتكرر لعقارب الساعة قبل وبعد شهر رمضان،
وأكد الكيحل على أن معالجة هذا الخلل تقتضي تغليب المصلحة المجتمعية وتفادي الحلول “الترقيعية” التي ترهق المواطنين وتسبب لهم ارتباكاً مزمناً في حياتهم اليومية، معتبرا أن استجابة الحكومة للمطالب الشعبية، وإن جاءت متأخرة، بناءً على دراسات معمقة شملت الآثار الاقتصادية والنفسية، تُعد خطوة في الاتجاه الصحيح لكونها تضع حداً لملف ظل لسنوات موضوع شد وجذب.
وأبرز الكيحل أنه مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتزايد التحذيرات من استغلال ملف الساعة الإضافية كورقة لاستمالة الناخبين، في وقت تقتضي فيه الممارسة السياسية الرصينة التركيز على الملفات الحارقة كالتعليم، والصحة، والتشغيل، ومواجهة التضخم لحماية القدرة الشرائية، مشيرا إلى أن الرهان على قضايا هامشية وإجرائية خلال الحملات الانتخابية يعكس عجزاً كبيرا عن تقديم برامج واقعية وحلول حقيقية للأزمات البنيوية والاقتصادية التي تهم المواطن.
وفي المحصلة، أشار المتحدث نفسه إلى أن الحكومة تظل ملزمة بمواصلة التزاماتها ومسؤولياتها التدبيرية والسياسية إلى غاية آخر يوم من ولايتها، وأن خدمة المواطن والإنصات لنبضه يظلان فوق كل اعتبار، وفي هذا الإطار شدد عبد القادر الكيحل على أن استمرارية المرفق العام بمسؤولية ونزاهة حتى آخر يوم من الولاية الحكومية وتنصيب سلطة تنفيذية جديدة هو ما يمنح العمل السياسي مصداقيته ويكرس ثقة المواطن في مؤسساته.
بنطيب: “عودتنا لغرينتش صفعة لـ”القرارات المعزولة” وانتصار لحكومة القرب
قال البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، الحسين بنطيب في تصريح لموقع “بلبريس”: إن اتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت بالذات يعكس وعياً عميقاً بكون الإصلاحات الجادة والكبرى لا تؤخذ بمنطق الارتجال أو ردود الأفعال الاستعجالية، موضحا أن صياغة السياسات العمومية التي تهم وتؤثر في التفاصيل اليومية لـ 38 مليون مغربي ومغربية سواء في تنقلاتهم، أو صحتهم، أو تمدرس أبنائهم، فضلاً عن نشاطهم الاقتصادي تتطلب حكمة وتريثاً لضمان استقرار القرار العمومي ومصلحة الجميع.
وأضاف بنطيب أن هذا الملف الحساس استلزم فتح نقاش مؤسساتي رصين، شمل إجراء دراسات علمية ومعمقة للوقوف على الأثر الصحي والاجتماعي للتوقيت الذي كان معتمداً منذ سنة 2018. كما خضع لتقييم دقيق يوازن بين الإنتاجية الاقتصادية ومصلحة الأسرة المغربية، تفادياً للوقوع في فوضى تغيير القرارات الاستراتيجية بشكل متسارع يفقد الدولة مصداقيتها ويضر بالقطاعات الحيوية.
وأشار ذات المتحدث إلى أن العبرة والنجاعة في تدبير الشأن العام لا تقاس بنظرة استعجالية قاصرة، بل بصلابة وجودة المخرجات ومدى قدرتها على الاستمرار مستقبلاً، ويبرهن هذا التوجه الحكيم على أن صوت الشارع، متى كان ثابتاً وموضوعياً، يجد دائماً قنوات الاستجابة المؤسساتية المسؤولة، التي تفضل اتخاذ الوقت الكافي لدراسة التفاصيل على السقوط في فخ القرارات المتسرعة. مشددا على أن الأغلبية الحكومية الحالية أثبتت، من خلال هذه الخطوة الشجاعة، أنها حكومة قرب بامتياز، تضع انشغالات المواطن المغربي الحقيقية واليومية في صلب أولوياتها، بعيداً عن منطق القرارات المعزولة عن الواقع السوسيو-اقتصادي للبلاد.