في تطور سياسي لافت داخل مكونات الأغلبية الحكومية، كشفت مصادر لـ”بلبريس” أن حزب الاستقلال اختار التفاعل بشكل إيجابي مع المبادرة الرامية إلى تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الذي خصصته الحكومة للقطيع الوطني من الماشية والأبقار، وهي المبادرة التي تهدف إلى التحقيق في الدعم الموجه لـ”الفراقشية” بمناسبات العيد الأضحى.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن رئيس الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة أحمد التويزي باشر اتصالاته مع مكونات الأغلبية البرلمانية، موجها مراسلة إلى حلفائه من أجل الانضمام إلى هذه الخطوة التي تحظى أيضا بدعم فرق المعارضة، في محاولة لإضفاء طابع توافقي على مبادرة تسعى إلى كشف ملابسات تدبير أحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة.
ويبرز موقف حزب الاستقلال باعتباره المعطى الأهم سياسيا في هذه المبادرة، ليس فقط لكونه جزءا من التحالف الحكومي، بل لأن دعمه جاء مقرونا بإرادة سياسية معلنة من طرف أمينه العام نزار بركة، الذي دعا رئيس الفريق الاستقلالي علال العمراوي إلى الانخراط الفعلي في هذا المسار، والدفاع عمليا عن الموقف الذي سبق للحزب أن عبر عنه بخصوص رفض ما بات يعرف إعلاميا بـ”الفراقشية” وكل أشكال الاستفادة غير المشروعة من المال العام.
ويعكس هذا التوجه حسب مصادر برلمانية رغبة واضحة لدى قيادة حزب الاستقلال في الانتقال من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى الممارسة المؤسساتية. فالحزب الذي رفع خلال الأشهر الماضية خطابا منتقدا للريع والفساد يجد نفسه اليوم أمام فرصة لترجمة هذا الخطاب إلى مواقف ملموسة داخل البرلمان، وهو ما يفسر حرص نزار بركة على تشجيع أعضاء حزبه على مساندة أي مبادرة تروم تعزيز الشفافية ومساءلة الجهات المستفيدة من الدعم العمومي.
ويحمل انخراط الاستقلال في هذه المبادرة دلالات سياسية متعددة، أبرزها محاولة الحزب ترسيخ صورة الفاعل السياسي القادر على التمييز بين الانضباط للتحالف الحكومي وبين الدفاع عن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن هذا الموقف يمنحه هامشا سياسيا مهما في ظرفية تتزايد فيها المطالب الشعبية والحقوقية بكشف مصير مليارات الدراهم التي ضخت لدعم القطاع الحيواني في سياق مواجهة تداعيات الجفاف وارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، ما يزال موقف كل من التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري غير محسوم إلى حدود اللحظة، وهو ما يجعل الأنظار متجهة نحو الكيفية التي ستتعامل بها بقية مكونات الأغلبية مع هذه المبادرة، خاصة أن أي تحفظ أو رفض قد يفتح الباب أمام تأويلات سياسية مرتبطة بحساسية الملف وتداعياته المحتملة.
ورغم الزخم الذي رافق الإعلان عن المبادرة، فإن مصادر مطلعة تستبعد إمكانية تنزيلها عمليا قبل نهاية الولاية التشريعية الحالية. فالمسطرة القانونية الخاصة بإحداث لجنة لتقصي الحقائق تتطلب آجالا وإجراءات تنظيمية تستغرق ما لا يقل عن عشرين يوما، وهي مدة تكاد تتطابق مع ما تبقى من عمر الولاية البرلمانية.
ومع ذلك، فإن القيمة السياسية للمبادرة لا ترتبط فقط بإمكانية خروج اللجنة إلى الوجود، بل أيضا بالرسائل التي تحملها. فمجرد قبول حزب من الأغلبية بالخوض في ملف حساس يتعلق بتدبير الدعم العمومي يمثل مؤشرا على وجود وعي متزايد بضرورة تعزيز آليات الرقابة البرلمانية وعدم ترك الملفات المثيرة للجدل خارج دائرة المساءلة.
كما أن موقف حزب الاستقلال يمنحه فرصة لتأكيد انسجامه مع خطابه المعلن حول محاربة الريع والفساد، ويضع باقي الفاعلين السياسيين أمام اختبار حقيقي لمدى استعدادهم للانخراط في مسار كشف الحقائق وتبديد الشكوك المحيطة بهذا الملف.
وحاولت “بلبريس” ربط الاتصال بعلال العمراوي رئيس الفريق الاستقلالي إلا أن هاتفه ظل يرد دون إجابة.