حولت الكاتبة المغربية زينب مكوار في روايتها «دجاجة بكامونها » مثلًا شعبيًا بسيطًا إلى مدخل سردي عميق لقراءة المجتمع المغربي، كاشفة من خلاله عن عنف طبقي صامت، وعن اختلالات تطبع علاقة الفرد بالأسرة والقانون والجسد. فالمثل، المرتبط بالمطبخ واليومي والعابر، يغدو في النص الروائي أداة نقد اجتماعي تحمل دلالات تتجاوز بساطتها الظاهرية.
تدور أحداث الرواية داخل بيت مغربي واحد، لكنه لا يُقدَّم بوصفه فضاءً عائليًا محايدًا، بل نموذجا مصغرا لبنية اجتماعية أوسع.
في هذا الحيّز المغلق، تتجاور الطبقات دون أن تتقاطع فعليًا، حيث تتجسّد الفوارق في توزيع الغرف، وفي الحق في الكلام أو الصمت، وفي طبيعة العلاقات التي تحكم من يسكن المركز ومن يلازم الهامش. البيت هنا ليس مكانًا فقط، بل سلطة تنظم الحياة اليومية وتعيد إنتاج التراتب الاجتماعي.
في هذا السياق، تنشأ صداقة طفولية بين كنزة، ابنة أسرة ميسورة، وفاتحة، ابنة الخادمة. في البداية، تبدو العلاقة عفوية ومتجاوزة للفوارق، غير أن مسار الزمن يكشف تدريجيًا حدودها. فكلما تقدّمت الشخصيتان في العمر، اتّضح أن الانتماء الطبقي يرسم أفق الممكن وحدوده، وأن ما يبدو مشاركة في الطفولة لا يفضي بالضرورة إلى تشارك في الحقوق أو في المستقبل. الصداقة هنا تتحوّل إلى اختبار قاسٍ للعدالة الاجتماعية، وتُظهِر كيف تعجز المشاعر وحدها عن كسر بنية تفرض على كل فرد موقعه مسبقًا.
اختيار عنوان الرواية ليس اعتباطيًا، إذ يتحوّل طبق «دجاجة بكامونها» إلى مجاز مركزي يختزل ما يُدار في الخفاء داخل المجتمع. فكما تُتبَّل الدجاجة وتُترك على نار هادئة، تُخضع الأجساد النسائية لمنظومة متشابكة من القوانين غير المكتوبة، المرتبطة بالشرف والعيب والخوف من الفضيحة. ومن خلال هذا المجاز، تفضح الرواية كيف يُختزل الجسد الأنثوي إلى مجال للوصاية والتجريم أكثر من كونه فضاءً للحرية والاختيار.
تُبرز الرواية كذلك التباين في أشكال القيد بين الشخصيتين الرئيسيتين، فكنزة، رغم امتيازها الطبقي، تعيش تحت ضغط توقّعات العائلة والتمثّلات المحافظة لما يجب أن تكون عليه – بنت الناس – بينما تواجه فاتحة قيود الفقر والتهميش والوصم الاجتماعي. وبهذا، لا تقدّم الرواية ثنائية مبسّطة بين ضحية وجلاد، بل تكشف أن القيود تطال الجميع، وإن اختلفت حدّتها وطبيعتها تبعًا للموقع الاجتماعي.
ومن خلال الانتقال من التفاصيل اليومية إلى الأسئلة الكبرى، تنجح «دجاجة بكامونها» في تجاوز الحكاية الفردية لتطرح قراءة أوسع لبنية المجتمع المغربي المعاصر. فمصائر الشخصيات تعكس اختلالات أعمق تتعلّق بتوزيع الفرص، وبالعلاقة بين القانون والأخلاق، وبحدود الحرية الفردية داخل جماعة تفرض معاييرها باسم العرف والتقاليد.
بهذا المعنى، تؤكد الرواية أن المثل الشعبي، رغم بساطته، قادر على التحوّل إلى أداة تفكير نقدي، وأن الأدب يظلّ فضاء قادرًا على مساءلة الصمت الاجتماعي وكشف ما يطبخ بعيدًا عن العلن، من علاقات قوة غير متكافئة ومسارات حياة لا تختار دائمًا بإرادة أصحابها