في خطوة سياسية لافتة تحمل أكثر من رسالة، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار الدفع بالوزير كريم زيدان إلى واجهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عبر ترشيحه بدائرة الشماعية التابعة لإقليم اليوسفية، في واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية حساسية ورمزية بجهة مراكش آسفي، والمعروفة بثقلها القبلي والسياسي داخل مجال قبيلة “أحمر”.
الخطوة لم تكن مجرد إعلان تنظيمي عابر، بل بدت أشبه بإشارة انطلاق مبكرة لمعركة سياسية تستعد لها الأحزاب الكبرى بكثير من الحذر والترقب. فحين يختار حزب يقود الحكومة الزجّ بوزير في دائرة انتخابية توصف داخل الكواليس بـ”الصعبة”، فإن الأمر يتجاوز الحسابات الانتخابية التقليدية نحو اختبار حقيقي لمدى قدرة الوجوه الحكومية على النزول إلى الميدان ومواجهة نبض الشارع مباشرة.
كريم زيدان، القادم من مسار مهني ودولي بارز، والذي راكم تجربة طويلة في الخارج، خاصة بألمانيا، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍّ من طبيعة مختلفة؛ تحدي السياسة الميدانية بكل تفاصيلها وتعقيداتها، داخل منطقة لها خصوصيتها الاجتماعية والانتخابية، حيث لا تُحسم المعارك بالشعارات فقط، بل بالقرب من الناس، وفهم توازنات الأرض، والقدرة على بناء الثقة.
ويرى متابعون أن اختيار الشماعية لم يكن اعتباطيا، فالإقليم ظل خلال السنوات الماضية ساحة تنافس سياسي قوي، كما أن قبيلة “أحمر” تملك وزنا انتخابيا مؤثرا، ما يجعل أي ترشيح بها يحمل أبعادا تتجاوز الحسابات المحلية الضيقة إلى رسائل سياسية وطنية مرتبطة بإعادة ترتيب الأوراق استعدادا للمرحلة المقبلة.
الحزب، من جهته، قدّم الترشيح باعتباره جزءا من رؤية سياسية تقوم على ربط المسؤولية الحكومية بالفعل السياسي المباشر، والدفع بالكفاءات الحكومية إلى الواجهة الميدانية، في محاولة لتعزيز الحضور الترابي للحزب والدفاع عن الحصيلة الحكومية من داخل الميدان وليس فقط عبر المنصات الرسمية.
وفي أول تفاعل له مع القرار، عبّر الوزير كريم زيدان عن اعتزازه بالثقة التي وضعت فيه، مؤكدا أن خدمة الوطن “تبقى مسؤولية من أي موقع”، وأن العمل السياسي يحتاج إلى الجدية والالتزام وروح العمل الجماعي من أجل مواصلة الإصلاحات وتعزيز التنمية.
غير أن أكثر ما أثار الانتباه في حديث الوزير كان تركيزه على مغاربة العالم، باعتبارهم جزءا أساسيا من المشروع التنموي المغربي. وهو خطاب ينسجم مع مساره الشخصي وتجربته بالخارج، حيث شدد على أن كفاءات الجالية المغربية تمثل قيمة مضافة حقيقية للمملكة، وأن الارتباط بالوطن لا يقاس بالمسافة الجغرافية، بل بالإيمان بخدمته والمساهمة في تقدمه.
ويبدو أن حزب الأحرار يسعى من خلال هذه الخطوة إلى تقديم صورة جديدة عن مرشحيه في الانتخابات المقبلة؛ صورة تجمع بين الخبرة الحكومية والكفاءة التقنية والحضور الميداني، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى طبيعة الأسماء التي ستقود المعارك الانتخابية القادمة، وسط رهانات سياسية وتنموية كبرى.
في الشماعية، حيث السياسة تُقرأ أيضا بميزان القبيلة والتاريخ والامتداد الاجتماعي، لن يكون الطريق سهلا أمام الوزير القادم من عالم التدبير والمؤسسات الدولية. لكن المؤكد أن دخوله المبكر إلى السباق الانتخابي حوّل المنطقة إلى واحدة من أولى بؤر الاهتمام السياسي قبل أشهر طويلة من موعد الاقتراع.
وبين ألمانيا والشماعية، وبين التدبير الحكومي والميدان الانتخابي، يبدأ كريم زيدان فصلا جديدا من مساره السياسي، عنوانه الأكبر: اختبار الثقة على الأرض، فصل يبدو انه صعب لكنه ليس مستحيلا.