عطش عنابة يفضح ارتباك النظام الجزائري وإدارة الأزمات

لم تعد أزمة المياه التي خنقت مدينة عنابة حدثاً عرضياً يمكن تبريره بظروف موسمية، بل تحولت إلى مؤشر واضح على خلل بنيوي في طريقة تدبير أحد أكثر القطاعات حساسية في الجزائر. ففي وقت كان يفترض أن تكون فيه الإمدادات أكثر استقراراً، وجد مئات الآلاف من السكان أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ: صنابير جافة وطوابير طويلة بحثاً عن الماء.

وسط هذا الوضع، جاء قرار إقالة وزير الري، طه دربال، بشكل مفاجئ ومقتضب، في خطوة بدت أقرب إلى امتصاص الغضب الشعبي منها إلى معالجة حقيقية للأسباب العميقة للأزمة. القرار، الذي اتُّخذ بإشراف الرئيس عبد المجيد تبون، لم ينجح في إقناع الشارع، خاصة وأن الأزمة استمرت على حالها دون تحسن ملموس.

ما حدث في عنابة أعاد إلى الواجهة التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن مشاريع كبرى لتأمين الموارد المائية، وبين واقع ميداني يكشف أعطاباً تقنية واختلالات في التسيير. منشآت كلفت خزينة الدولة مبالغ ضخمة، من بينها محطات تحلية، تعطلت أو لم تؤد الدور المنتظر منها، ما جعل المواطنين يدفعون ثمن اختيارات لم يكونوا طرفاً فيها.

الأزمة لم تكن تقنية فقط، بل كشفت أيضاً محدودية آليات الحكامة والمحاسبة. فالاكتفاء بإقالة مسؤول دون فتح نقاش شفاف حول مآل الاستثمارات العمومية، أو تحديد المسؤوليات بدقة، يعمق الإحساس بأن التغيير يظل شكلياً، وأن جوهر المشكل يبقى قائماً.

وفي خضم ذلك، أثارت التصريحات التي تحدثت عن متابعة الرئيس الشخصية للأزمة، إلى حد السهر والانشغال الكبير، موجة من التفاعل الواسع. غير أن كثيرين اعتبروا أن المطلوب ليس إظهار التعاطف، بل بناء منظومة قادرة على الاستباق وتفادي الأزمات، بدل الاكتفاء بردود فعل متأخرة.

التعديل الحكومي الذي تلا هذه التطورات زاد من حدة التساؤلات، إذ لم يتم تعيين خلف مباشر لوزير الري، رغم حساسية القطاع وارتباطه اليومي بحياة المواطنين. في المقابل، حظيت قطاعات أخرى باهتمام أكبر، ما عزز الانطباع بأن ترتيب الأولويات لا يعكس بالضرورة انتظارات الشارع.

في المحصلة، لا تبدو أزمة عنابة معزولة، بل تندرج ضمن سياق أوسع يكشف صعوبات متكررة في تدبير الملفات الاجتماعية والخدماتية. وبين قرارات سريعة وخطابات مطمئنة، يظل المواطن الجزائري أمام واقع يتطلب أكثر من مجرد تغييرات ظرفية، بل إصلاحاً عميقاً يضع الكفاءة والمحاسبة في صلب العمل العمومي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *