تعيش مراكز الاتصال بالمغرب على وقع ترقب حذر مع اقتراب دخول تشريع فرنسي جديد حيز التنفيذ، يقضي بمنع المكالمات التسويقية غير المرغوب فيها ما لم يسبقها موافقة صريحة من الزبون، وهو ما يضع أحد أكثر القطاعات ارتباطا بالسوق الفرنسية أمام اختبار غير مسبوق.
ويُنتظر أن يبدأ العمل بالقانون الجديد خلال شهر شتنبر المقبل، في خطوة تهدف إلى الحد من الإزعاج الذي تسببه المكالمات التجارية للمستهلكين الفرنسيين. غير أن انعكاسات هذا القرار تتجاوز الحدود الفرنسية، لتطال مباشرة قطاع مراكز الاتصال بالمغرب الذي يعتمد بشكل كبير على خدمات التسويق الهاتفي الموجه نحو السوق الفرنسية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن القطاع يوفر عشرات الآلاف من مناصب الشغل، فيما تظل السوق الفرنسية المصدر الرئيسي لغالبية مداخيله. هذا الارتباط الوثيق يثير مخاوف متزايدة بشأن حجم التأثيرات المحتملة على الشركات والعاملين، خاصة في ظل غياب معطيات دقيقة ومحيّنة حول العدد الحقيقي للمراكز النشيطة وحجم اليد العاملة التي تشغلها.
ويرى مراقبون أن صعوبة تقييم الخسائر المرتقبة تعود إلى الطابع المركب للقطاع، حيث تنشط إلى جانب المراكز المهيكلة شركات أخرى تشتغل في ظروف أقل وضوحا من الناحية القانونية والتنظيمية، ما يجعل أي هزة خارجية مرشحة لإحداث تداعيات أوسع من الأرقام الرسمية المعلنة.
وتتجه أغلب التقديرات إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تضررا من هذا التحول، بحكم اعتمادها شبه الكامل على أنشطة التسويق الهاتفي الموجه إلى المستهلك الفرنسي. وفي المقابل، تبدو المجموعات الكبرى في وضع أفضل نسبيا بعدما شرعت منذ سنوات في تنويع خدماتها نحو الدعم التقني وخدمات ما بعد البيع وتدبير علاقات الزبناء، ما يمنحها هامشا أكبر للتكيف مع المتغيرات الجديدة.
ويعتبر متابعون للقطاع أن القانون الفرنسي لا يمثل سوى تتويجا لمسار بدأ منذ سنوات مع تزايد شكاوى المستهلكين الفرنسيين من المكالمات التجارية المتكررة، وهو ما دفع العديد من الشركات الدولية إلى مراجعة نماذج عملها والبحث عن بدائل أقل ارتباطا بالتسويق الهاتفي التقليدي.
وفي خضم هذه التطورات، تتزايد المخاوف من انعكاسات اجتماعية محتملة، خصوصا إذا اضطرت بعض الشركات إلى تقليص نشاطها أو إغلاق أبوابها. كما يثير الملف تساؤلات بشأن مدى جاهزية القطاع لمواجهة التحولات الرقمية المتسارعة، وقدرته على الانتقال نحو خدمات ذات قيمة مضافة أعلى وأكثر استقرارا.
ويرى محللون اقتصاديون أن الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة إشكالية التبعية المفرطة للأسواق الخارجية، مؤكدين أن تعزيز تنافسية القطاع يمر عبر تنويع الشركاء الدوليين، والانفتاح على أسواق جديدة بإفريقيا وأمريكا اللاتينية، والاستثمار في التكوين والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية المتقدمة.
كما يلفتون إلى أن المرحلة المقبلة ستشكل اختبارا حقيقيا لسياسات مواكبة الاستثمار والتشغيل، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى وضع آليات أكثر صرامة لحماية الأجراء وضمان استدامة نشاط قطاع يساهم بمليارات الدراهم سنويا في الاقتصاد الوطني، ويظل أحد أبرز مصادر فرص الشغل للشباب المغربي.