في ظل الزخم الدبلوماسي غير المسبوق الذي تعرفه القضية الوطنية الأولى للمملكة، وما يحققه المغرب من انتصارات متتالية في الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي والساحة الإفريقية، يخرج فاعل جمعوي صحراوي بارز بدعوة جريئة: لن ينجح النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية دون تجاوز “نخب التوريث” التي قادت المشهد لعقود.
الأستاذ أحمد الصلاي، رئيس “جمعية الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي” بجهة الداخلة وادي الذهب، ورئيس مجلس اتحاد الشباب الإفريقي والمجتمع المدني بإفريقيا، يُحمل في هذا المقال رؤية مغايرة للمألوف. فهو لا يكتفي بمناقشة المكاسب، بل يربطها بشرط أساسي لاستدامتها.
*الانتصارات الكبرى: من مدريد إلى نيويورك*
يؤكد الصلاي أن المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، يعيش لحظة تاريخية فاصلة، تتجلى في:
· قرارات مجلس الأمن التي باتت تعترف بشكل متزايد بمبادرة الحكم الذاتي كالحل الوحيد والأوحد.
· اجتماع مدريد الأخير الذي مثل اختراقًا دبلوماسيًا، حيث تراجعت إسبانيا عن موقفها التقليدي وأعلنت دعمها لمبادرة الحكم الذاتي.
· الاعترافات الأوروبية والإفريقية المتسارعة، انعكست في افتتاح عشرات القنصليات العامة لدول كبرى (منها الولايات المتحدة، الإمارات، ألمانيا، والعديد من الدول الإفريقية) في مدينتي العيون والداخلة، وهو اعتراف فعلي بالسيادة المغربية.
· عودة إخواننا المحتجزين في مخيمات تندوف إلى أحضان الوطن، والذين بدؤوا بالانخراط الفعلي في مشروع الحكم الذاتي، تاركين وراءهم عقودًا من المعاناة والاستغلال السياسي.
*”المصلحة الضيقة” تهدد المكتسبات*
بيد أن الأستاذ الصلاي، في تحليل واعٍ، يرفع صوته محذرًا من أن هذه الانتصارات تبقى هشة إذا لم تقترن بتغيير جذري في الفاعل المحلي. ويقول في هذا الصدد:
“النموذج التنموي الجديد الذي يريده الملك والشعب للأقاليم الجنوبية لن يكتب له النجاح، ولن نستطيع استثمار هذه الانتصارات الدبلوماسية، طالما أن النخب التقليدية الصحراوية مازالت متمسكة بمنطق التوريث العائلي الذي دام لأكثر من 50 عامًا.”
ويشير الصلاي إلى أن هذه النخب “المستنزفة” أصبحت عائقًا أمام التعبئة الحقيقية للمال العام والكفاءات الشابة، محذرا من أن إبقاءهم على رأس القرار يخدم “مصالح شخصية ضيقة” لا تتوافق مع طموحات المواطن الصحراوي الذي يتطلع لجهة متقدمة، ديمقراطية، وشفافة.
*الحكم الذاتي: مشروع جهوي لا إقطاعي*
يرى رئيس جمعية الجهوية المتقدمة أن مبادرة الحكم الذاتي، التي نالت الشرعية الدولية، يجب أن تُترجم محليًا بآليات جديدة تقوم على الكفاءة والمساءلة، لا على “الزعامات الموروثة”. فالجهوية المتقدمة، في مفهومه، تعني:
· تكسر الاحتكارات العائلية للمناصب والنفوذ.
· إفساح المجال للشباب والأطر المستقلة التي درست وعملت في الخارج وعادت لتساهم في التنمية.
· تخليق الحياة العامة ووقف “التلاعب بالمال العام” تحت غطاء القيادة التقليدية.
*خلاصة: لا بد من قطيعة مع الماضي*
يختم الأستاذ أحمد الصلاي مقاله بدعوة واضحة للرباط وكافة الأحزاب والفعاليات الوطنية: “لن نستطيع مواكبة وتيرة الاعترافات الدولية وافتتاح القنصليات وعودة الأبناء من تندوف، بنفس العقليات التي حكمت الصحراء منذ 50 سنة. إما أن ننتقل إلى نخب الكفاءة والنزاهة، أو أن نهدر كل هذه المكاسب.”
إنها دعوة صحراوية خالصة، من فاعل مدني معترف به على المستويين الإفريقي والدولي، تقول: الوطنية الحقيقية اليوم لا تكفي فيها الهتاف بالوحدة الترابية، بل تتطلب أيضًا تجاوز إقطاعيات الأمس لبناء دولة الجهة الحديثة.