في مشهد يعيد إنتاج ذات النمط الاستعلائي الذي طالما ميز علاقة بعض الأوساط الفرنسية بمغرب ما بعد الاستقلال، بثت قناة “فرانس 5” مساء الأحد الماضي شريطاً وثائقياً حول العلاقات المغربية الفرنسية، لم يقدم جديداً يُذكر، بل اكتفى بإعادة تدوير أخبار متداولة ومعطيات مغلوطة، مقلداً بذلك نهج “الابتزاز” الذي طبع العديد من المؤلفات والتقارير الفرنسية السابقة تجاه القضايا المغربية.
لكن اللافت في هذا العمل، الذي أعده بينوا برينجيه وأخرجه جون لويس بيريز، ليس محتواه المستهلك، بل توقيته المشحون بالدلالات. ففي لحظة تاريخية تُرتب فيها الرباط وباريس لشراكة استراتيجية غير مسبوقة، يُتوقع أن تمنح المغرب مكانة فريدة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والأمن والثقافة، لم تُمنح لأي دولة في جنوب البحر الأبيض المتوسط، وبعد اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسيادة المغرب على صحرائه، يعود فريق فرنسي ليبث سمومه عبر شاشة عمومية. فهل هي مصادفة حقاً؟ أم أن هناك أيادي خفية تمتعض من هذا التقارب الودي؟
يدّعي صُنّاع الفيلم أن العمل يندرج في إطار تحليل العلاقة الثنائية من فترة الحماية (1912) إلى التوترات الراهنة، متزامناً مع تخليد الذكرى السبعين لاستقلال المغرب. لكن المتتبع الحصيف لا يخدعه هذا الغطاء البروباغندي. فمجموعة “فرانس تيليفيزيون” المشرفة على القناة ليست غريبة عن المواقف غير الصديقة تجاه المغرب ونجاحاته، والحديث عن ذكرى الاستقلال ليس سوى رسالة إشهارية تخفي خلفيات تشهيرية مكشوفة.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا هذا الإصرار على نشر تقرير يعيد المغالطات المسيئة في سياق مصالحة تاريخية وتقارب ودي؟ الإجابة ربما تكمن في طبيعة الصراع غير المعلن بين “فرنسا العميقة” التي تتحسّر على أيام الحماية، وبين فرنسا البراغماتية التي تحاول التكيف مع تحولات العالم وموقع المغرب الجديد. فتنامي النفوذ المغربي في إفريقيا، وإعادة تشكيله للتحالفات الجيوسياسية في معاقل النفوذ الفرنسي التقليدية، يدفع جهات داخل فرنسا إلى المراهنة على التشويش الإعلامي لكبح “الجموح” المغربي، رفضاً للتخلي عن صفة “الأخ الأكبر” التي اكتسبتها فرنسا في زمن الاستعمار.
ولا يمكن إغفال السياق الأوسع: تزايد متانة الشراكة المغربية الأمريكية، والمواقف الإيجابية للإدارة الأمريكية الجديدة تجاه المغرب، وهو ما تفسره بعض الأوساط الفرنسية بأنه تعزيز للدور المغربي على حساب مصالحها في المنطقة. كما أن ارتفاع أسعار المحروقات يعزز موقف الجزائر تجاه فرنسا وأوروبا، مما قد يغري مجموعات ضغط فرنسية بالسعي لتعكير صفو العلاقات الرباط-باريس لصالح التقارب الفرنسي الجزائري.
لكن لفهم الخلفيات الحقيقية لهذا الفيلم، لا بد من التعرف على مخرجه، جون لويس بيريز، الذي سبق أن أخرج عام 2015 الفيلم الوثائقي “ملك المغرب: الحكم السري” على قناة FR3، في نمط ممنهج من الأعمال التلفزيونية غير الودية. وقد سبق توقيف هذا المخرج بالمغرب في فبراير 2015 أثناء تصوير عمل تلفزيوني بدون تراخيص، ولجأ إلى مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان قبل أن يتم إبعاده من التراب الوطني لعدم احترامه القوانين. واللافت أن إبعاده تزامن مع زيارة وزير الداخلية الفرنسي الأسبق برنار كازنوف إلى الرباط، الذي رفض التدخل لصالحه، بل ذهب إلى منح وسام جوقة الشرف للمدير العام للأمن الوطني المغربي عبد اللطيف حموشي، تكريماً للتعاون الأمني المثمر بين البلدين. إنها معطيات تكشف بوضوح الخلفيات الحقيقية التي تحرك هذا المخرج.
من الناحية المنهجية، يعاني الفيلم من انتقائية فجة في اختيار المواضيع، إذ أدرج قضايا خلافية مفتعلة وتافهة إلى جانب قضايا رئيسية كالإرث الاستعماري والأزمات الدبلوماسية. فما الذي يربط ملف “بيغاسوس” المكشوف بقضية خيانة زوجية لأستاذ ابتدائي اسمه هشام منصوري؟ وما الذي يضيفه استحضار مزاعم التعذيب التي ثبت بطلانها قضائياً إلى فهم العلاقة الاستراتيجية بين بلدين؟ إن توجيه الدعوة لشخص مدان بجريمة خيانة زوجية للإدلاء بشهادته في علاقة دولية كبرى هو، بكل بساطة، تبخيس لتلك العلاقة وكشف عن نوايا غير مهنية.
أما بخصوص قضية “بيغاسوس” التي استهدفت المغرب منذ يوليوز 2021، فقد عاد الفيلم ليمنحها جرعة وهم، متجاهلاً الحقائق الثابتة: النفي الرسمي المغربي ولجوء الرباط إلى القضاء، وتقرير “فوربيدن ستوريز” الذي اتهم 11 دولة من أصل 40، وعدم عثور لجنة التحقيق الأوروبية على أي دليل، وتقرير المخابرات الإسبانية الذي نفى ضلوع المغرب واتهم روسيا والصين. بل إن وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق يائيل لابيد نفى الاتهامات، وأكد 200 خبير دولي أن خبرات “منظمة العفو الدولية” كانت قاصرة. وداخل فرنسا، وصف السيناتور كريستيان كامبون ما يجري بـ”النفاق المحيط بالقضية”، مؤكداً أن المغرب يتعرض لحملات تشويه ممنهجة.
أما ملف هشام منصوري، فإخراجه من نطاقه القضائي إلى السياسي بغطاء حقوقي هو ضرب من المغالطة المتعمدة. فالسلطات المغربية نشرت بلاغاً رسمياً يحدد موجبات التوقيف بدقة: المشاركة في جنحة الخيانة الزوجية، وأكدت الخبرات البيولوجية العثور على حمضه النووي بمسرح الجريمة. وزوجة الجندي، شريكته في الجريمة، رفض زوجها التنازل عن الشكاية، والتقارير الحقوقية الرسمية أكدت عدم تعرضه لأي عنف. إن إحجام الفيلم عن هذه التفاصيل كان مقصوداً لفتح باب التأويلات المغلوطة وتصوير المغرب في أبهى صورة.
ومن المفارقات الصارخة التي يعيشها المشهد الفرنسي، أن باريس الرسمية تسعى لتعزيز الشراكة الأمنية مع المغرب، بينما تحاول أوساط سياسية وإعلامية إثارة خلافات الماضي. ففرنسا هي أكبر مستفيد من التعاون الأمني مع المغرب، الذي تجاوز العملياتي إلى المساهمة في تأمين أولمبياد باريس 2024 بخبراء مغاربة في تفكيك المتفجرات، وأثمر التعاون الاستخباراتي تحييد إرهابيين خطيرين على الأراضي الفرنسية. وفي يونيو 2025، حرصت الشرطة الفرنسية على توقيع مذكرة تفاهم مع السيد حموشي لتعزيز الشراكة الأمنية، بينما تحاول الأوساط الصحافية المعادية المساس بهذه المكتسبات عبر أشرطة تعيش على أوهام الماضي وأحقاد الحاضر.
إن ما يجري ليس مجرد تقرير منفرد، بل حملة إعلامية فرنسية ممنهجة بلغت ذروتها مؤخراً في صحف “ليكيب” و”لوموند” حول كأس الأمم الأفريقية، وتستعد “لوموند” لنشر كتاب يستند إلى الملفات المشروخة نفسها. هذا التحامل يشير إلى أن جهات نافذة في “الدولة العميقة” الفرنسية تُصرف أجندات معادية، تتحسر على مغرب الحماية وتتوجس من مغرب القرار السيادي والنجاحات المتتالية. لكن ما تغفله هذه الأوساط هو أن المغرب، الذي يستعد لتعزيز شراكته الاستراتيجية مع فرنسا، لم يعد بحاجة إلى وصاية أحد، ولن تثنيه حملات التشويه عن مواصلة مساره التنموي، مهما علا صوت الماضويين والحاقدين.