رغم التحولات الإيجابية التي يشهدها ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة، وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل واقعي للنزاع الإقليمي، تواصل جنوب إفريقيا تبني مواقف معاكسة لهذه الدينامية، من خلال تجديد دعمها لجبهة البوليساريو الانفصالية والترويج لأطروحة تقرير المصير.
وجاء هذا الموقف عقب استقبال سفير جنوب إفريقيا لدى الجزائر، ندوميسو نتشنغا، من طرف قادة البوليساريو بالجزائر، حيث جدد الدبلوماسي الجنوب إفريقي تأكيد بلاده دعم ما وصفه بـ “حق الصحراويين في تقرير المصير”، في موقف يعكس استمرار بريتوريا في تبني خطاب سياسي يتعارض مع التحولات المتسارعة التي يشهدها النزاع، خاصة في ظل تزايد الاعتراف الدولي بجدية ومصداقية المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
لعروسي: موقف جنوب إفريقيا من الصحراء تحكمه حسابات التنافس الإقليمي:
وفي تعليق على هذا الموقف، قال الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عصام العروسي، في تصريح لـ”بلبريس”، إن الموقف الجنوب إفريقي الداعم لأطروحة البوليساريو وسردية تقرير المصير “يبقى بعيدا عن الواقع الدولي الحالي”.
وأوضح العروسي أن جنوب إفريقيا “ما تزال تواصل نفس الخطاب الإيديولوجي التقليدي الداعم للحركات الانفصالية، وذلك انطلاقا من الخلفية التاريخية المرتبطة بتجربة نظام الأبارتايد، والتي خلقت لدى جزء من النخبة السياسية في بريتوريا نوعا من الشحنة العاطفية تجاه ما تعتبره قضايا شعوب مضطهدة”.
وأضاف أن هذا الموقف “ينطوي في جزء منه على سوء فهم لطبيعة قضية الصحراء المغربية، كما يعكس استمرار جنوب إفريقيا في تبني مقاربة أيديولوجية قديمة لم تعد تنسجم مع التحولات التي يعرفها النظام الدولي”.
وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى أن هذا التوجه يرتبط أيضا بعامل التنافس الإقليمي داخل القارة الإفريقية، مبرزا أن “جنوب إفريقيا تعد نفسها قوة إقليمية كبرى داخل إفريقيا، وهو ما يجعلها تنظر إلى الصعود الدبلوماسي والاقتصادي للمغرب داخل القارة بعين المنافسة، إلى جانب قوى إقليمية أخرى”.
وتابع المتحدث أن الأزمات التي تشهدها العلاقات بين بعض هذه القوى “ترتبط أساسا بهذا الاختيار الأيديولوجي الذي ما تزال بعض الأنظمة السياسية تتبناه، رغم أن التطورات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء تؤكد بشكل متزايد مصداقية الطرح المغربي”.
وأكد العروسي أن “المسار التفاوضي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، إلى جانب التحركات الدبلوماسية الدولية، سواء تلك المرتبطة بالمشاورات التي تجري عادة خلال شهر مارس، أو اللقاءات التي تحتضنها واشنطن، كلها تعزز قناعة المجتمع الدولي بأن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 تمثل الأرضية الواقعية والعملية لأي حل مستقبلي للنزاع”.
وختم الخبير تصريحه بالتأكيد على أن “موضوع التنافس على الزعامة الإقليمية داخل القارة الإفريقية يبقى من بين العوامل التي تؤرق جنوب إفريقيا، التي تحاول لعب دور القوة الحامية للقارة، في وقت يواصل فيه المغرب تحقيق صعود لافت على مستوى حضوره الإفريقي وعلى مستوى علاقاته الدولية ومتعددة الأطراف”.
عبد الفتاح: الزخم الدبلوماسي للمغرب يضعف سردية البوليساريو داخل إفريقيا:
من جهته، اعتبر محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن تجديد جنوب إفريقيا لموقفها الداعم لجبهة البوليساريو في هذا التوقيت “يشكل مؤشرا على طبيعة التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية على المستوى الدولي، كما يعكس في الآن نفسه حالة التباين المتزايد داخل المشهد السياسي الجنوب إفريقي بشأن مقاربة هذا النزاع”.
وأوضح عبد الفتاح أن “الحزب الحاكم في جنوب إفريقيا، ممثلا في المؤتمر الوطني الإفريقي، ما يزال متمسكا بالموقف التقليدي الداعم للانفصال، غير أن الساحة السياسية والدبلوماسية في بريتوريا بدأت تشهد خلال السنوات الأخيرة بروز أصوات متنامية تدعو إلى مراجعة هذا التوجه في ضوء التحولات التي تعرفها البيئة الدولية والإفريقية المرتبطة بالنزاع حول الصحراء”.
وأضاف أن تجديد هذا الموقف “يأتي أيضا في إطار محاولة بريتوريا الحفاظ على موقعها داخل محور بريتوريا – الجزائر، ضمن تنسيقات تشمل تعزيز حضورهما داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، خاصة في ظل الأدوار المتصاعدة التي بات يلعبها المغرب منذ عودته إلى المنظمة القارية”.
وأشار رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان إلى أن جنوب إفريقيا “تحاول كذلك توظيف ملف الصحراء من أجل تعزيز موقعها داخل مجموعة تنمية إفريقيا الجنوبية (SADC)، في مواجهة ما تعتبره بعض الأوساط المناوئة للمغرب تمددا اقتصاديا مغربيا داخل ما تصفه بالمجال الحيوي لجنوب إفريقيا”.
وأكد عبد الفتاح أن هذا التطور يأتي في سياق يتسم بتعاظم الزخم الدبلوماسي الذي راكمه المغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2020، وهو الاعتراف الذي أسهم في إعادة تشكيل المقاربة الدولية للنزاع، ودفع عددا متزايدا من القوى الدولية إلى اعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 الأساس الواقعي والعملي لتسوية هذا الملف.
كما أشار إلى أن هذا التوجه تعزز أيضا من خلال اتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية داخل أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، في مقابل تراجع تدريجي في شبكة الاعترافات التي كانت تستند إليها جبهة البوليساريو داخل القارة الإفريقية.
وأوضح المتحدث أنه في هذا السياق بدأت بعض القوى السياسية داخل جنوب إفريقيا تعبر عن مواقف مغايرة للمقاربة التقليدية التي ظلت تهيمن على السياسة الخارجية لبريتوريا تجاه النزاع، حيث برزت خلال السنوات الأخيرة مواقف لعدد من الفاعلين السياسيين الذين يرون أن استمرار تبني خطاب الانفصال لا ينسجم مع التحولات الجيوسياسية التي يعرفها الملف، ولا مع المصالح الاستراتيجية لجنوب إفريقيا داخل القارة الإفريقية.
وخلص إلى أن هذا النقاش الداخلي يعكس تحولا تدريجيا في إدراك جزء من النخبة السياسية والدبلوماسية الجنوب إفريقية لطبيعة التوازنات الجديدة التي باتت تحكم هذا النزاع، خاصة في ظل تنامي الحضور الدبلوماسي والاقتصادي للمغرب داخل إفريقيا، مبرزا أن تجديد بريتوريا لموقفها الداعم للبوليساريو “لا يعدو أن يكون موقفا حزبيا ضيقا لا يعكس التوجه العام داخل جنوب إفريقيا، كما يكشف عن تصاعد النقاش الداخلي بشأن جدوى هذا الموقف في ظل الدينامية الدولية المتسارعة التي باتت تميل بشكل متزايد نحو دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الواقعي والعملي لتسوية النزاع”.