مؤسف ….جامعة لقجع بين تواصل البؤس ومنهجية الإقصاء

مرة أخرى تجد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم نفسها في قلب جدل جديد، ليس بسبب نتائج المنتخبات أو قرارات تقنية، بل بسبب طريقة تدبيرها للعلاقة مع الصحافة. فإقصاء موقع “بلبريس” من حضور الندوة الصحفية الأخيرة لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل يعكس ذهنية مقلقة تتجه نحو معاقبة الأصوات الناقدة بدل الإنصات لها.

السبب غير المعلن واضح للجميع: الموقع انتقد الجامعة بعد نهاية كأس الكونفدرالية الإفريقية. لكن الرد جاء على شكل إقصاء من فضاء يفترض أنه مفتوح لكل وسائل الإعلام. هكذا ببساطة، تتحول الندوة الصحفية من فضاء للمساءلة والتوضيح إلى فضاء انتقائي لا يحضره سوى من يصفق أو يلتزم الصمت.

غير أن الإقصاء لم يكن الخطأ الوحيد. فالندوة التي انتظرها المغاربة قرابة شهرين جاءت، بكل صراحة، دون المستوى. ارتجالية في التنظيم، أجواء أقرب إلى مجلس عزاء منها إلى حدث تواصلي رياضي، استعمال لغة أجنبية بشكل يثير الاستغراب، وتذكارات لا تليق بمؤسسة تدير كرة القدم في بلد صار يُضرب به المثل قارياً في حسن التنظيم والكرم.

المفارقة أن المغرب اكتسب سمعة قوية في إفريقيا والعالم بعد نجاحه في تنظيم أحداث كروية كبرى. لكن ما وقع في هذه الندوة بدا وكأنه مشهد من نادٍ صغير يفتقر لأبسط قواعد البروتوكول. صورة رئيس الجامعة وهو ينظر إلى ساعته بينما كان محمد وهبي يتحدث تختصر الكثير: ارتباك في الرسائل، وارتجال في التدبير، وغياب واضح لحس التواصل.

بل ،كما كتب احد الصحافيين المتالقين والعارفين لشؤون الرياضة،،،  والأكثر إثارة للاستغراب أن تنظيم ندوة صحفية محترمة لم يكن يتطلب ميزانية خيالية. بمبلغ يقل عن خمسين ألف درهم فقط كان بالإمكان إخراج الحدث بصورة لائقة: اعتماد الترجمة الفورية لتسهيل التواصل وربح الوقت، تقديم تذكارات رمزية لكنها راقية، عرض شريط يوثق مسار مدرب يتم تكريمه قبل مغادرته، وشريط آخر يستحضر تألق محمد وهبي في كأس العالم لأقل من 20 سنة لشحذ الهمم وإعطاء بعد معنوي للحظة.

كما كان من الممكن اختيار قاعة بأجواء احتفالية تضفي قيمة على الحدث، وضبط الترتيبات التنظيمية بشكل أكثر احتراماً للمشهد. فكيف يُغادر الناخب الوطني القاعة بينما يلقي مدرب آخر كلمته؟ وكيف يتم تغييب الصحافة الوطنية التي تم “تمريغ” كرامتها في الأسابيع الأخيرة، بدل إعادة الاعتبار لها؟

الأمر لم يكن معقداً أيضاً في ما يخص الحضور. كان بالإمكان دعوة بعض اللاعبين الدوليين الحاليين والقدامى، إضافة إلى شخصيات رياضية وازنة، لتحويل الندوة إلى لحظة احتفاء بكرة القدم المغربية. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

المفارقة المؤلمة أن أندية مغربية بموارد محدودة باتت تتفوق في هذا المجال. ففي آخر ندوة صحفية لنادي الرجاء الرياضي تم اعتماد الترجمة الفورية لثلاث لغات، وهو نادٍ بإمكانيات متواضعة مقارنة بجامعة كرة القدم التي تُفتح أمامها صنابير التمويل.

ما يجري يطرح سؤالاً حقيقياً حول فلسفة التدبير داخل الجامعة: هل الهدف هو تطوير التواصل وإشراك الإعلام في النقاش الرياضي، أم بناء دائرة ضيقة لا يُسمح فيها إلا بالأصوات الموالية؟

كرة القدم المغربية حققت إنجازات تاريخية في السنوات الأخيرة، لكن تلك الإنجازات لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لإغلاق الأبواب في وجه النقد. فالمؤسسات القوية لا تخشى الصحافة، بل تعتبرها شريكاً في البناء والتقويم.

أما حين يصبح النقد سبباً للإقصاء، والندوات الصحفية مناسبات مرتبكة بلا روح، فإن المشكلة لا تكون في الصحافة… بل في من يعتقد أن التواصل يمكن أن يُدار بمنطق الانتقاء والامتياز.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *