تقرير: الجزائر تتنازل عن “تقرير المصير” لمواجهة عزلتها الدولية

يعكس التعاطي الدولي المتسارع مع ملف الصحراء المغربية تحوّلاً نوعياً في موازين النقاش السياسي والدبلوماسي، وهو ما توقفت عنده مجلة جون أفريك من خلال تصريحات لمدير تحريرها فرانسوا سودان، أدلى بها عبر ميكروفون إذاعة إذاعة فرنسا الدولية، حيث أكد أن جوهر المفاوضات الجارية حالياً تحت الإشراف الأمريكي يتمثل في التخلي الضمني عن خيار استفتاء تقرير المصير، الذي ظل لعقود محور الطرح الانفصالي. هذا التحول، بحسب سودان، لم يعد محل نقاش فعلي منذ اعتماد القرار الأممي 2797، الذي أعاد توجيه النقاش نحو مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأرضية وحيدة للتسوية.
ويبرز من خلال هذا التوصيف أن خيار “الاستقلال” بات يُنظر إليه دولياً باعتباره طرحاً متجاوزاً، جرى استبداله بمقاربة عملية تقوم على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في إطار سيادة الدولة المغربية، وهو ما ينسجم مع منطق القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة وتوجهات القوى الكبرى. فمقترح الحكم الذاتي، كما أوضح سودان، يقوم على نموذج كلاسيكي للحكم الذاتي الداخلي، حيث تتولى المؤسسات المحلية تدبير الشؤون ذات الاهتمام الجهوي، في مقابل احتفاظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية، مع إحداث جمعية منتخبة، واعتماد مسار للمصالحة يشمل العفو عن قيادات جبهة البوليساريو، وتنظيم عودة اللاجئين الصحراويين من مخيمات تندوف.
ورغم أن المجلة الفرنسية أشارت إلى أن الخطة ما تزال في مرحلة المشروع، فإن التحفظات التي تبديها الجزائر وجبهة البوليساريو على بعض بنودها، خاصة المتعلقة بطريقة تعيين رئيس السلطة التنفيذية المحلية من قبل الملك محمد السادس بدل انتخابه، لا تخفي حقيقة أعمق تتجلى في انحسار هوامش المناورة أمام الجزائر. فقبول هذه الأخيرة الجلوس إلى طاولة مفاوضات مدريد دون تحقيق مكاسب ملموسة، كما يوضح سودان، يعكس خضوعها لضغط دبلوماسي ونفسي أمريكي متزايد، ويشبه في رمزيته التاريخية “الذهاب إلى كنوسا”، أي القبول بتراجع سياسي قسري لتفادي عزلة أشد.
هذا السياق يكشف أن الجزائر، التي بنت موقفها طويلاً على دعم أطروحة تقرير المصير، باتت تجد نفسها اليوم في وضع دفاعي، تحاول من خلال المشاركة في المفاوضات تجنب مزيد من التهميش الدولي. فتصريحات سودان توحي بأن عبد المجيد تبون يواجه معضلة حقيقية في تسويق هذا التحول للرأي العام الجزائري، الذي قد ينظر إليه باعتباره انقلاباً على الخطاب الرسمي التقليدي، غير أن الثمن الدبلوماسي للعزلة أصبح، وفق القراءة ذاتها، أثقل من كلفة التراجع التكتيكي.
وتعزز هذه المعطيات الانطباع بأن الجزائر باتت تواجه عزلة دولية متنامية، دفعتها إلى القبول بدور الطرف المعني وليس “المراقب”، في مسار تفاوضي بات مرجعه الأساس القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. فمنذ اعتماد هذا القرار، انتقل الملف من دائرة الاتصالات الدبلوماسية المغلقة إلى فضاء مفاوضات علنية حول آليات التنفيذ، عبر إطلاق محادثات مدريد بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، مع ترقب جولات مشاورات رفيعة المستوى، قد تتوج بلقاء محتمل في واشنطن خلال الأشهر المقبلة.
وبهذا المعنى، لا تبدو مشاركة الجزائر خياراً نابعاً من قوة موقفها بقدر ما هي محاولة للخروج من مأزق دبلوماسي متفاقم، في وقت يتكرس فيه مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي يحظى بتزايد القبول الدولي، مقابل تراجع الأطروحات الانفصالية التي فقدت زخمها السياسي والدبلوماسي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *