من يكون محمد شوكي المرشح الوحيد لقيادة “الأحرار” خلفا لأخنوش؟

في لحظة سياسية دقيقة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن يفتح صفحة جديدة في تاريخه التنظيمي، واضعا اسما واحدا في واجهة الخلافة بعد قرار عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب.

اسم محمد شوكي، الذي أحاله المكتب السياسي رسميا على المؤتمر الاستثنائي المرتقب بالجديدة يوم 7 فبراير 2026، لم يأت من فراغ، بل هو خلاصة مسار يتقاطع فيه السياسي بالاقتصادي، والحزبي بالتقني، والوراثة السياسية بالرهان على جيل جديد.

محمد شوكي، المزداد سنة 1977، ينتمي إلى جيل سياسي مختلف في التكوين والمسار.

خريج جامعة الأخوين بإفران، وذو تكوين أكاديمي وعملي في المالية والاستثمار، راكم شهادات دولية في التحليل المالي والخبرة الاستثمارية، قبل أن يختار ولوج عالم السياسة من بوابة التنظيم والعمل الحزبي، لا من باب الخطابة أو الشعبوية.

وهذا المعطى سيلازمه في كل محطاته، حيث ظل يُقدَّم كسياسي “تكنوقراطي”، يفكر بلغة الأرقام بقدر ما يتحرك بمنطق التوازنات.

ولد شوكي في بيت سياسي، فوالده أحمد شوكي كان نائبا برلمانيا سابقا عن حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما جعله يتشبع مبكرا بثقافة الشأن العام وتفاصيل العمل الحزبي.

غير أن دخوله السياسة لم يكن امتدادا آليا لمسار الأب، بل تجربة مستقلة، بدأها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث شغل منصب المنسق الجهوي بجهة فاس–مكناس، وانتخب عضوا بالمجلس الجهوي عن إقليم بولمان. هناك، تَكَوَّن تنظيميا، واختبر تدبير التوازنات المحلية والجهوية، قبل أن يقرر الانتقال إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، في إطار الميركاتو السياسي.

داخل “الحمامة”، سيبدأ شوكي مسارا تصاعديا. تولى أولا مهمة المنسق الجهوي للحزب بجهة فاس–مكناس، ثم فاز بمقعد نيابي عن دائرة إقليم بولمان، ليصعد بسرعة إلى أحد أكثر المواقع حساسية داخل البرلمان، حين انتخب رئيسا للجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، قبل أن يخلف محمد غياث في رئاسة فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب .

هذان المنصبان لم يمنحاه فقط حضورا سياسيا، بل ربط اسمه مباشرة بملفات الميزانية، والاستثمار، والسياسات العمومية ذات البعد الاقتصادي، في لحظة كان فيها الحزب يقود الحكومة ويتحمل كلفة قرارات اقتصادية واجتماعية ثقيلة، وبقيادة الفريق المتصدر لانتخابات 2021 بعد ذلك.

خارج السياسة، راكم محمد شوكي تجربة وازنة في عالم المال والأعمال. شغل مناصب عليا في مجال الاستثمار، من بينها المدير العام لشركة الإمارات الدولية للاستثمار، والرئيس التنفيذي لشركة “ID Capital”، ثم الرئيس المدير العام لشركة “ID Capital Holding”.

إلا أن هذه الخلفية جعلت صورته داخل الحزب وخارجه أقرب إلى رجل مؤسسات، يفهم منطق السوق والتمويل، أكثر مما يجيد لغة الصدام السياسي.

بلاغ المكتب السياسي، الصادر اليوم الأربعاء، جاء ليحسم مرحلة الترشيحات، مؤكدا أن الحزب توصل بترشيح محمد شوكي لرئاسة التجمع الوطني للأحرار، وقرر، بعد دراسته، إحالته على المؤتمر الاستثنائي. صيغة البلاغ، الهادئة والمقتضبة، تعكس منسوب التوافق الذي يحيط بالاسم، وتُظهر أن الحزب يتجه نحو انتقال محسوب، لا نحو معركة مفتوحة.

التوافق على شوكي يعني، في العمق، التوافق على جيل جديد من القيادات، جيل يتقاطع فيه السياسي مع الخبير، والتنظيمي مع التدبيري. لكنه في الوقت نفسه يضع الرجل أمام تحدٍّ ثقيل: أن يأتي بعد عزيز أخنوش، الشخصية التي طبعت الحزب لسنوات، وراكمت نفوذا سياسيا وتنظيميا غير مسبوق. المهمة ليست سهلة، فخلافة أخنوش ليست مجرد خلافة منصب، بل خلافة أسلوب ومرحلة كاملة.

بين رهان الاستمرارية وضرورة التجديد، يقف محمد شوكي اليوم في قلب معادلة دقيقة. بروفايله الاقتصادي، ومساره الحزبي المتدرج، يجعلان منه خيارا عقلانيا داخل حزب اختار، منذ سنوات، أن يراهن على منطق “الكفاءة” بقدر ما يراهن على السياسة.

غير أن الامتحان الحقيقي سيبدأ بعد المؤتمر، حين يتحول التوافق التنظيمي إلى قيادة فعلية، وحين يُطلب من شوكي أن يثبت أن الأرقام وحدها لا تكفي، وأن السياسة، في نهاية المطاف، هي فن الإمساك بالثقة قبل الإمساك بالميزانية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *