لم يعد ما تعيشه جماعة أيت مزال بإقليم اشتوكة أيت باها، وبالخصوص مجال أفلا واسيف ودواويره، مجرّد ظاهرة موسمية مرتبطة بتنقّل قطعان الرّعي الجائر، بل أصبح ملفّا حقيقيا يمسّ جوهر دولة الحقّ والقانون، ويطرح سؤالا مباشرا حول حماية الملكية الخاصة، وهيبة المؤسسات، وضمان الاستقرار المجالي بالعالم القروي.
![]()
نحن أمام أراض خاصة مملوكة لعائلات المنطقة منذ أجيال عديدة، وليست أراض سلالية ولا مجالا غابويا مصنّفا ضمن الملك العمومي. هذه الملكيات تمثّل الوعاء الأساسي للنّشاط الفلاحي المحلّي، وتشكّل مصدر عيش واستقرار للساكنة، كما تحتضن مساحات واسعة من شجر الأرگان الذي يعدّ إحدى الرّكائز البيئية والاقتصادية المميزة لمنطقة سوس، وموروثا طبيعيا حافظت عليه الساكنة عبر أجيال طويلة.
![]()
ومع ذلك، تتعرّض هذه الأراضي منذ سنوات لاجتياحات غاشمة ومتكرّرة من طرف مجموعات من “الرّعاة”، يدخلون بمئات رؤوس الأغنام والماعز والإبل إلى أراض خاصة دون إذن أو ترخيص، في مشهد يتكرّر بوتيرة تبعث على القلق العميق، خصوصا وأنّ هذه القطعان الضخمة تمثّل استثمارات مالية كبيرة، ما يجعل الأمر يتجاوز مجرد رعي عابر إلى واقع يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع.
![]()
وتزداد خطورة هذه الاجتياحات حين يتعلق الأمر بالمجال الذي تنتشر فيه شجرة الأرگان، التي لا تمثل فقط موردا اقتصاديا أساسيا لساكنة المنطقة، بل تشكّل أيضا تراثا بيئيا وإنسانيا معترفا به عالميا، حتى إن منظمة اليونيسكو خصّصت لها يوما عالميا للاحتفاء بها، نظرا لمكانتها الفريدة على الصعيد العالمي، واعترافا بقيمتها البيئية والاقتصادية وضرورة الحفاظ عليها وتثمينها. فالرّعي الجائر داخل هذه المجالات لا يهدّد المزروعات فقط، بل يضرّ أيضا بمنظومة الأرگان التي حافظت عليها الساكنة عبر قرون، في تناقض واضح مع الجهود الوطنية والدولية المبذولة لحمايتها وتثمينها.
![]()
الأخطر أنّ الأمر لم يعد يقف عند حدود إتلاف المزروعات واستباحة الأرض، بل تطوّر إلى اعتداءات جسديّة مباشرة على المواطنين. ففي 25 فبراير 2026، تعرّض رئيس جمعية محلية (جمعية شباب أيت وارغن للتنمية والتعاون بأفلا واسيف جماعة أيت مزال، إقليم اشتوكة أيت باها)، لاعتداء جسدي عنيف من بعض الرّعاة، أثناء قيامه بمحاولة حماية ممتلكات ساكنة دوّاره من الرّعي الجائر. وقد خلّف الاعتداء جروحا متفاوتة الخطورة، وكاد أن تكون عواقبه أخطر لولا الألطاف الإلهية وتدخّل أبناء الدوار.
ولم تكن هذه السّابقة الأولى. فقد سبق أن تعرّض أحد المسنّين من أبناء الدوار ذاته لاعتداء خطير في سياق مماثل، واعتداءات أخرى عرفتها مناطق مجاورة، ما يؤكد أنّ الأمر لا يتعلق بحادث عرضي، بل بنمط يتكرّر كلما غاب الرّدع الصّارم.
لقد سلكت الساكنة المساطر القانونية، فرفعت شكايات رسمية إلى السلطات المعنية، وعلى رأسها السيد عامل الإقليم، كما وضعت شكايات لدى أجهزة الدرك الملكي. غير أنّ تكرار الوقائع رغم هذه الخطوات يطرح سؤالا مركزيا: كيف تتحوّل ملكيات خاصة واضحة المعالم إلى فضاء مفتوح أمام اجتياحات منظّمة؟ وكيف يصل الأمر ببعض المعتدين إلى الاحتجاج جهارا بما يعتبرونه “حقّا” في الرّعي داخل أملاك الغير؟.
القضية هنا لا تتعلّق بنزاع تقليدي بين رعاة وساكنة، بل باختبار حقيقي لمدى صرامة تطبيق القانون. فحين يشعر المواطن أن أرضه غير محميّة، وأنّ الدفاع عنها قد يكلّفه سلامته الجسدية، فإنّنا نكون أمام خلل يمسّ الثّقة في المؤسسات، ويقوّض أحد أعمدة الاستقرار المجالي.
لا يمكن الحديث عن تثبيت الساكنة بالعالم القروي، ولا عن تشجيع الاستثمار الفلاحي، ولا عن تنمية مجالية متوازنة، في بيئة يسودها الإحساس بعدم الأمان، خاصة في مجال جبلي يعاني أصلا من الهشاشة وقلّة الإمكانيات، وتعتمد ساكنته في جزء كبير منها على فلاحة معيشية محدودة الموارد.
فالمزارع الذي يخشى على أرضه من اجتياح مفاجئ، لن يغامر بغرس أشجار أو إطلاق مشاريع طويلة الأمد. والمواطن الذي يرى الاعتداء يتكرّر دون ردع حاسم، قد يفقد ثقته في جدوى البقاء.
إنّ استمرار هذا الوضع يبعث برسالة خطيرة مفادها أنّ من يملك القوّة العددية والمادية قادر على فرض الأمر الواقع، وهو ما يتعارض كليا مع مبدأ سموّ القانون والمساواة أمامه. فالمجال التّرابي ليس ساحة مفتوحة لمنطق الغلبة، بل فضاء تحكمه قواعد واضحة تضمن الحقوق وتحدّد الواجبات.
وإذا كان ما يقع بأيت مزال وأفلا واسيف والدائرة الجبلية بإقليم اشتوكة أيت باها بصفة عامة، يحمل خصوصيته المحلية، فإنّه في الآن ذاته يعكس مؤشّرا أوسع ينبغي التعامل معه بوعي استباقي. فالسّلم الاجتماعي لا يختبر في الخطابات، بل في قدرة الدولة على حماية المواطن في أرضه وممتلكاته، وصون كرامته من أيّ اعتداء.
إنّ ساكنة المنطقة لا تطالب بامتياز خاص، بل تطالب بتفعيل القانون بصرامة، وحماية الملكيات الخاصة من الاستباحة، وضمان أمنها الجسدي. وهي مطالب تدخل في صميم وظيفة الدولة الحديثة.
وفي المقابل، فإنّ ساكنة أيت مزال، وبالخصوص أفلا واسيف ودواويره، تؤكّد تشبثها المشروع بالدفاع عن أراضيها وممتلكاتها الخاصة، وصونها من أيّ اعتداء أو استباحة جديدة، باعتبارها إرثا تاريخيا ومصدر عيش واستقرار لأجيال متعاقبة. غير أنّ استمرار هذا الوضع دون تدخّل حاسم من الجهات المختصّة قد يفتح الباب أمام احتقان متزايد، في ظل إصرار السّاكنة على حماية حقوقها المشروعة، وهو ما قد ينذر بتطوّر الأوضاع إلى ما لا تحمد عقباه إذا لم تتمّ معالجة الملف في إطار القانون والحزم اللازمين.
وفي هذا السياق، يكتسب الملف بعدا أعمق حين نستحضر ما أكدّه جلالة الملك نصره الله مرارا بشأن ضرورة تجاوز منطق مغرب السرعتين، والدفع نحو تنمية مجالية عادلة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف ربوع الوطن.
فلا يمكن الحديث عن عدالة مجالية حقيقية، ولا عن نموذج تنموي جديد، إذا كان جزء من العالم القروي يعيش تحت وطأة استباحة ملكياته الخاصة، ويجد نفسه مضطرّا للدفاع عن أرضه في غياب ردع واضح وحاسم.
التنمية ليست مشاريع فقط، بل هي أيضا إحساس بالأمان، وثقة في أنّ الدولة تحمي الحقوق قبل أن تطالب بالواجبات. وحين تترك مناطق تواجه وحدها اجتياحات متكرّرة واعتداءات جسدية موثّقة، فإنّ ذلك يعمّق الشعور بالفجوة بين الرؤية التّنموية والواقع الميداني.
من هنا، فإنّ معالجة هذا الملف بمنطق حازم وواضح لا يخدم فقط ساكنة أفلا واسيف وأيت مزال، بل يعزّز مصداقية الدولة في تنزيل توجيهاتها الكبرى، ويؤكّد أنّ حماية الملكية الخاصة وصون كرامة المواطن ثابت لا يخضع للانتقائية أو الجغرافيا.
إنّ أفلا واسيف اليوم لا تطلب استثناء، بل تطلب أن تكون جزءا فعليا من مغرب واحد، لا مغربين: مغرب تصان فيه الحقوق بقوة القانون في كل المجالات، دون تمييز بين مركز وهامش.
فالرّهان اليوم ليس حماية أراض في قرية من قرى سوس فحسب، بل حماية مبدأ قامت عليه دولة الحقّ والقانون: أنّ الملكية الخاصة مصونة لا تستباح، وأنّ الاعتداء عليها، أرضا أو إنسانا، يواجه بردع حازم لا تردًد فيه ولا انتقائية، وأنّ هيبة القانون لا تختبر في الهوامش بل تثبّت في كلّ شبر من الوطن.
فالهيبة لا تتجزّأ، والعدالة لا تقاس بالجغرافيا، والاستقرار لا يبنى فوق أرض يشعر أصحابها بأنها مكشوفة. وما يحسم اليوم في أفلا واسيف ليس مجرّد نزاع محلي، بل تأكيد عملي على أنّ القانون هو المرجع الأعلى، وأنّه في مغرب المؤسسات لا مكان لمنطق الغصب والغلبة، ولا لفرض الأمر الواقع خارج إطار الشّرعية.
فهل ستتحرّك الدولة، عبر مختلف مؤسّساتها، لتأكيد ذلك على أرض الواقع، وترسيخ رسالة واضحة مفادها أنّ الملكية الخاصة، وحماية المواطن وصون كرامته، خطوط حمراء لا تقبل الاستباحة، وأنّ هيبة القانون لا تقبل التفاوض ولا التأجيل؟.