إقالة محافظ بنك الجزائر.. تغيير الوجوه بلا إصلاح حقيقي

أعاد قرار رئاسي مفاجئ إلى الواجهة أزمة التسيير المالي في الجزائر، بعدما أنهى الرئيس عبد المجيد تبون مهام محافظ بنك الجزائر، صلاح الدين طالب، بعد ثلاث سنوات فقط من تعيينه، وعيّن نائبه معتصم بوضياف محافظًا بالنيابة، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لاحتواء غضب متصاعد أكثر من كونها إصلاحًا حقيقيًا.

ورغم أن الإقالة لم تكن صادمة للمتابعين للشأن الاقتصادي، إلا أنها فتحت مجددًا نقاشًا واسعًا حول جدوى تغيير المسؤولين في ظل استمرار المنهج نفسه الذي يحكم القرارات المالية. فبالنسبة لكثير من المحللين، لا يعد القرار سوى تضحية بواجهة إدارية لتحميلها كلفة اختيارات ارتجالية أربكت الأسواق وأضعفت الثقة في النظام المصرفي.

وجاءت تعليمة 22 دجنبر 2025، القاضية بمنع الإيداع النقدي في الحسابات التجارية دون إثبات المصدر، لتشكل نقطة التحول الحاسمة. فرغم تقديمها كإجراء لمحاربة تبييض الأموال، اصطدمت بواقع اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على السيولة النقدية، ما تسبب في شلل واسع لدى الموزعين والشركات. ولم يمر وقت طويل حتى جرى التراجع عنها مباشرة بعد إقالة المحافظ، عبر مذكرة صادرة في 4 يناير 2026 أعادت العمل بالإجراءات السابقة، في مشهد عكس حجم التخبط في اتخاذ القرار.

هذا التراجع السريع طرح تساؤلات محرجة: هل كان القرار الأول متسرعًا وغير مدروس، أم أن الإقالة جاءت كمخرج سياسي للتنصل من فشل أعمق، يتعلق بعجز السلطة عن إدماج نحو 90 مليار دولار متداولة في السوق الموازية؟

ولم تكن أزمة السيولة وحدها سبب الإطاحة بطالب، إذ تراكمت خلال ولايته ملفات ثقيلة، أبرزها فشل ضبط منحة السفر التي كلفت الخزينة خسائر ضخمة بفعل تهريبها نحو السوق السوداء، فضلًا عن استمرار إدراج الجزائر ضمن “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي، ما عمّق عزلة النظام المصرفي وأضر بسمعته دوليًا. كما تزامن ذلك مع تحذيرات متكررة من تآكل الاحتياطيات الأجنبية وصعوبة التحكم في التضخم.

وتكشف الأرقام أن منصب محافظ بنك الجزائر تحول إلى ما يشبه “الكرسي القاذف”، إذ لم يعمّر شاغلوه طويلًا منذ 2016، باستثناء محمد لكصاسي. فتعاقب الإقالات يعكس، بحسب مراقبين، رغبة في تغيير الوجوه دون المساس بجوهر السياسات الاقتصادية المعتمدة، القائمة على القرارات الفجائية والاعتماد المفرط على ريع المحروقات.

في الشارع الافتراضي، أظهرت تفاعلات الجزائريين وعيًا متزايدًا بحقيقة ما يجري، حيث عبّرت التعليقات عن سخرية ممزوجة بالمرارة، معتبرة أن المواطن البسيط يظل الخاسر الأكبر من كل هذه القرارات. وأجمع كثيرون على أن الأزمة أعمق من مجرد أسماء ومناصب، وأن الحل يمر عبر تغيير الذهنيات والنهج، لا الاكتفاء بإقالات متكررة لا تمس جوهر الخلل.

وهكذا، أعادت إقالة محافظ بنك الجزائر طرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تتجه البلاد نحو إصلاح اقتصادي حقيقي، أم أن سياسة “إدارة الأزمات” بتغيير الواجهات ستظل العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *