قانون المحاماة الجديد يفجر مواجهة بين الشباب ووزارة العدل

عاد الجدل حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى الواجهة، بعدما وجهت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب رسالة مفتوحة إلى كل من رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووسيط المملكة، مطالبة بتدخل عاجل لوقف ما اعتبرته “انزلاقاً تشريعياً خطيراً” من شأنه تقويض استقلال مهنة الدفاع والمساس بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. واعتبرت الفيدرالية أن خطورة المشروع لا تكمن فقط في مضامينه، بل أيضاً في السياق الذي أُعد ومرر فيه، والذي طغى عليه تغييب المقاربة التشاركية وإقصاء الجسم المهني من نقاش جدي ومسؤول حول نص يمس أحد أعمدة العدالة.

واستحضرت الرسالة المرجعية الدستورية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولا سيما الفصل 161 من دستور 2011، الذي يخول له صلاحية النظر في قضايا حقوق الإنسان وحمايتها وضمان ممارستها، مؤكدة أن تنظيم مهنة المحاماة يظل لصيقاً بحق الدفاع وبالالتزامات الدولية للمغرب في مجال الحقوق والحريات. وسجلت الفيدرالية أن إحالة مشروع القانون على مسطرة المصادقة الحكومية جاءت بعد مسار وصفته بـ”المضطرب”، تميز بتجاهل وزارة العدل لمطالب الحوار، رغم الرفض الصريح الذي عبرت عنه الهيئات المهنية عبر بلاغات رسمية ومواقف وطنية موحدة.

وأبرز المحامون الشباب أن النص المقترح يتضمن مقتضيات تمس المرتكزات الكونية لمهنة المحاماة، وعلى رأسها الاستقلالية والحصانة، من خلال فتح المجال لتدخل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في شؤون المهنة، ومنح النيابة العامة والقضاء صلاحيات اعتبروها غير مبررة قانوناً، مقابل تقليص أدوار وصلاحيات الأجهزة المهنية المنتخبة. كما اعتبروا أن المشروع يفرغ الممارسة المهنية من محتواها، عبر إحداث أنظمة جديدة غير واضحة المعالم، وتكريس أوضاع للاحتكار والمنافسة غير المشروعة، والتنصيص على استثناءات تمس جوهر وظيفة المحامي ودوره الدستوري.

وفي تشخيصها للاختلالات، نبهت الفيدرالية إلى أن المشروع يمس بعدد من المبادئ الدستورية، من بينها عدم رجعية القوانين، وحماية الحقوق المكتسبة، والمساواة أمام القانون، خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين المحامي المغربي والمحامي الأجنبي. كما حذرت من التنصيص على إمكانية تفتيش مكاتب المحامين، معتبرة ذلك خرقاً صريحاً للحصانة المهنية وللسر المهني، الذي يشكل إحدى الدعائم الأساسية لمهنة الدفاع وضمانة مركزية لحقوق المتقاضين.

وسجلت الرسالة أن مشروع القانون تجاهل التراكمات التشريعية والمهنية التي عرفها القطاع، بما في ذلك توصيات المؤتمرات العامة لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، ومخرجات الندوات الوطنية، والأرضيات المهنية التي راكمتها الهيئات والمؤسسات المختصة عبر سنوات من النقاش. كما استعرضت الفيدرالية المسار الزمني للمشروع، مشيرة إلى أن صيغته الأولى وضعت سنة 2019، قبل سحبها وإعادة تداولها في بداية 2020 دون احترام مبدأ استمرارية المرفق العمومي، ثم إعداد مسودة جديدة سنة 2022 خارج الآليات التشاركية، وصولاً إلى صيغة أكتوبر 2024 التي أُحيلت على الأمانة العامة للحكومة وسُحبت لاحقاً تحت ضغط حراك مهني.

واعتبرت الفيدرالية أن الوضع الحالي ينذر بأزمة غير مسبوقة داخل قطاع العدالة، مبرزة أن مهنة المحاماة تشكل أول مشغل في القطاع الخاص، وعنصراً محورياً في استقرار المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، وجناحاً أساسياً من أجنحة العدالة التي لا يمكن أن تستقيم دون توازن بين مكوناتها. وشددت على أن المصادقة على مشروع القانون بصيغته الحالية قد تشكل “شرارة أزمة حقيقية” وبداية ما وصفته بـ”دفن المحاماة”، تحت غطاء الإصلاح.

وختمت الفيدرالية رسالتها بدعوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة وسيط المملكة إلى تحمل مسؤوليتهما الدستورية، والتدخل لإعادة مشروع القانون إلى سكته الحقوقية السليمة، بما يضمن استقلال المهنة ويحمي حق الدفاع ويصون أسس المحاكمة العادلة، مؤكدة استعدادها لخوض كل المساعي القانونية والمؤسساتية من أجل تصحيح المسار وإرجاع الأمور إلى نصابها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *